لأعوامٍ مضت، كان العدّاد الاقتصادي المصري يئن تحت وطأة أرقامٍ ثقيلة، وكان ملف “مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول” يشبه كرة ثلج تتدحرج لتلقي بظلالها على طموحات القاهرة البترولية. وفيما كان المشككون يراهنون على عامل الوقت، ويتحسسون خطى الأزمة، خرجت القاهرة اليوم ببيان حاسم حوّل التوقعات إلى واقع ملموس. من رقم ضخم تجاوز الـ 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، هبط المنحنى بشكل دراماتيكي متسارع عبر الشهور، حتى أعلن وزير البترول اليوم بلوغ “نقطة الصفر مديونية”. لقد أُغلق الدفتر القديم تماماً، وتنفست شرايين الطاقة في مصر الصعداء، معلنةً نهاية حقبة “الديون المتأخرة” لشركات النفط العالمية، والبدء في كتابة فصل جديد من الثقة والنفوذ الاقتصادي. أولاً: ما الذي يعكسه هذا الإعلان؟ إن الوصول بمديونية الشركاء الأجانب إلى “صفر” ليس مجرد تسوية مالية عابرة أو إجراء محاسبي روتيني، بل هو حدث يعكس مؤشرات سياسية واقتصادية بالغة الأهمية: أولًا- استعادة المصداقية الدولية: أثبتت الدولة المصرية التزامها الصارم بوعودها أمام الحيتان العالمية للطاقة مثل (شل، بي بي، شيفرون، وإكسون موبيل). هذا الالتزام يعيد صياغة صورة مصر كشريك موثوق يفي بتعهداته حتى في أحلك الظروف الاقتصادية. ثانيًا- توافر السيولة الأجنبية والتعافي الهيكلي: يعكس السداد الكامل نجاح المجهودات الحثيثة لتوفير التدفقات النقدية بالعملة الأجنبية، والتنسيق والغمور الحكومي المشترك لتفكيك الأزمات المزمنة بدلاً من مسكنات الآلام المؤقتة. ثالثًا – انتقال من الدفاع إلى الهجوم: لسنوات، كان التفاوض المصري مع الشركات الأجنبية ينطلق من موقف “المطالبة بجدولة الديون”، أما اليوم، فالمفاوض المصري يجلس على الطاولة مدعوماً بساحة مالية نظيفة، مما يمنحه قوة تفاوضية أكبر لشروط أفضل في عقود الامتياز والاستكشاف الجديدة. التأثيرات المباشرة والمتوقعة على الاقتصاد المصري يمكن تقسيم التأثيرات الارتدادية لهذا القرار على الاقتصاد إلى ثلاثة محاور رئيسية: 1- ثورة في الاستكشاف والإنتاج (ضخ استثمارات فورية) الشركات العالمية كانت تبطئ عمليات الحفر والتنقيب كأداة ضغط غير معلنة بسبب تأخر مستحقاتها. اليوم، ومع تصفير المديونية، انطلقت بالفعل عجلة الاستثمارات. ورأينا مؤشرات ذلك في حفر بئر جديدة بحقل “نرجس” والخطط الواعدة لحفر بئر “فيلوكس” بغرب المتوسط، والاكتشاف الضخم لشركة “عجيبة” في الصحراء الغربية (بستان جنوب 1). الشركات ستتسابق الآن لضخ مليارات الدولارات لأنها تضمن الحصول على عوائدها أولاً بأول. 2. خفض فاتورة الاستيراد وتأمين الطاقة زيادة معدلات الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي والزيت الخام تعني مباشرة تقليل الاعتماد على الشحنات المستوردة المسيلة التي تستنزف النقد الأجنبي. هذا الإنجاز يصب في صالح تحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام وتأمين احتياجات محطات الكهرباء والصناعات الثقيلة محلياً بأسعار مستقرة. 3. تحسن التصنيف الائتماني وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وكالات التصنيف الائتماني العالمية (مثل موديز وفيتش) تضع ملف مستحقات الشركات الأجنبية كأحد أهم معايير تقييم “المخاطر” في مصر. تصفير هذا الملف سيعطي ضوءاً أخضر جلياً لهذه الوكالات لرفع تصنيف مصر، مما يخفض تكلفة الاقتراض الدولي ويجذب المستثمرين ليس فقط لقطاع البترول، بل لكافة قطاعات الاقتصاد المصري. الخلاصة أن مصر نجحت في تحويل نقطة ضعفها التاريخية في قطاع الطاقة إلى نقطة انطلاق استراتيجية. “الصفر” اليوم ليس مجرد رقم، بل هو صك براءة ذمة مالية تمنح قطاع البترول المصري رخصة قيادة قوية لقطار التنمية الاقتصادي، لتصبح مصر أكثر قدرة على لعب دورها الإقليمي كمركز محوري لتداول وتجارة الطاقة في شرق المتوسط بكفاءة وثقة كاملة. CNA– الخدمة الإخبارية،، تحليل: مارك كومان