تابع قناة عكاظ على الواتساب يقول فيودور دوستويفسكي: «كيف أحتملتَ فكرةَ أنك وَضعتَ ثغرةً مُؤلمةً في صَدرِ أحدِهمْ سترافقه طوال حياته، ومضيتَ هكذا دون أن تكترثَ لشيء؟». عبارة لا تُقرأ كجملة عابرة، بل كمرآة قاسية تُواجه الإنسان بحقيقته الأخلاقية، وتجرده من كل أعذار الزيف التي يختبئ خلفها. إنها ليست سؤالاً موجّهاً إلى الآخر بقدر ما هي محاكمة صامتة للذات، استنطاقٌ لضميرٍ ربما اعتاد التملص، والكذب والتبرير والتعلل بأسباب واهية، ليوهم نفسه أنه نجا من تبكيت الضمير وعذابه، الفكرة أعمق من مجرد أذى عابر. إنها تتحدث عن «ثغرة» وكأن القلب حصن، وكأن الكلمة الجارحة أو الفعل القاسي سهمٌ اخترق جدرانه، وترك فيه فجوة لا تُرمم بسهولة. بعض الجراح لا تنزف دماً، لكنها تنزف عمراً كاملاً من الشعور بالآلام والخيبة والخذلان والندم، تعيد تشكيل نظرة الإنسان للحياة، وتغيّر ثقته بالآخرين، بل وربما بنفسه. المخيف في عبارة دوستويفسكي ليس وقوع الأذى، فالبشر بطبيعتهم يخطئون، وإنما القدرة على المضي قدماً دون اكتراث بقلب موجوع أو نفس كسيرة فمن خذلوك كأنهم قطعوا ذراعيك تستطيع أن تسامحهم ، لكن لا تستطيع أن تعانقهم. تلك البرودة، ذلك الانفصال بين الفعل ونتيجته، بين الجرح وصاحبه، هو ما يثير الرعب الحقيقي. كأن الإنسان قد نجح في إسكات صوته الداخلي، أو أقنع نفسه بأن ما فعله عابر، بينما الطرف الآخر يحمل أثره كندبة خفية لا تزول. الإنسان، في لحظات الغفلة أو الغضب أو الأنانية، قد يتحوّل إلى كائن قاسٍ دون أن يشعر. كلمة واحدة قد تهدم ثقة، نظرة ازدراء قد تزرع شعوراً بالنقص، خذلان مفاجئ قد يعيد تشكيل علاقة كاملة مع العالم. كل ذلك قد يصدر دون حساب دقيق للعواقب، وكأن الأرواح لا تتأثر، وكأن المشاعر لا تحتفظ بذاكرة طويلة. دوستويفسكي، بعين الفيلسوف الذي يعرف خبايا النفس البشرية، يضعنا في مواجهة سؤالين هما الأخطر: كيف تعيش بعد أن تكون سبباً في ألم طويل الأمد؟ كيف تنام وقد تعلم أن أثراً منك يسكن صدر إنسان آخر؟ هنا يبدأ الصراع الحقيقي، صراع الإنسان مع ضميره، مع إدراكه أنه ليس بريئاً كما كان يظن. العبارة تدعو إلى يقظة داخلية، إلى إعادة النظر في تفاصيل السلوك اليومي، إلى فهم أن العلاقات الإنسانية ليست مجرد تفاعلات عابرة، بل هي شبكة دقيقة من التأثيرات المتبادلة. كل فعل يحمل بصمته، وكل كلمة قد تكون بداية قصة ألم أو شفاء. ثمة بعد أخلاقي عميق يتسلل من بين الكلمات أن تكون خفيف الأثر، رحيم الحضور، حذر العبارة، القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على الجرح، بل في الامتناع عنه. والنضج لا يظهر في تجاهل الألم، بل في الإحساس به، حتى إن لم يكن ألمك. نص يوقظ في النفس سؤالين لا ينبغي الهروب منهما: كم مرة كنّا نحن تلك الثغرة؟ وكم مرة مضينا دون أن نلتفت؟ الإجابة، مهما كانت موجعة، هي بداية الطريق نحو إنسان أكثر وعياً، أكثر رحمة، وأكثر استحقاقاً لأن يُسمى إنساناً. ويضيف جبران خليل جبران على خطى المعلم فيودور دوستويفسكي لا تبالغوا بالحب ولا تبالغوا بالاهتمام والاشتياق، فخلف كل مبالغة صفعة خذلان.