لم تكن ثورة 30 يونيو حدثا سياسيا عابراً، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن وعى شعب مثقف ومدرك لحجم التحديات التى تواجه دولته، فاختار أن يتحمل المسؤولية وأن يدافع عن وطنه بكل سلمية وحضارية، فنجح المصريون فى ثورة 30 يونيو فى التصدى لمحاولات جماعة الإخوان فى التغلغل فى كافة مؤسسات الدولة ونجحت أيضا الثقافة والمثقفون فى الانتصار على محاولات الاستقطاب، لتثبت " الثقافة" أنها كانت ولا زالت خط الدفاع الأول عن الدولة الوطنية وعن قيم التنوير والتقدم. ثورة 30 يونيو ونقطة تحول في الهوية الثقافية المصرية ولم تقتصر أهمية الثورة على تصحيح المسار السياسي وحماية مؤسسات الدولة الوطنية، بل امتدت لتشكل نقطة تحول حاسمة في مسار الحفاظ على الهوية الثقافية المصرية واستعادة دورها الحضاري والتنويري، بعد فترة شهدت محاولات لاختطاف الوعي الوطني وإعادة تشكيل الشخصية المصرية بعيداً عن طبيعتها التاريخية المتسامحة والمتنوعة، واستطاع الشعب المصري أن يقطع الطريق على محاولات اختطاف الدولة وتغيير هويتها الثقافية والدينية والسياسية، وأن ما حدث في 30 يونيو يمثل رفضا شعبيا جارفا لمخطط خطير كان يستهدف تقويض أسس الدولة الوطنية الحديثة. وتعد الهوية الثقافية المصرية أحد أهم مقومات قوة الدولة عبر تاريخها الطويل، فهي نتاج حضارة ممتدة لآلاف السنين تفاعلت خلالها روافد متعددة صنعت الشخصية المصرية المتفردة، القائمة على الاعتدال والانفتاح وقبول التنوع واحترام الإبداع والعلم والمعرفة، وأن المصريين أدركوا خلال السنوات التي سبقت ثورة 30 يونيو حجم المخاطر التي كانت تهدد هذه الهوية الراسخة. وقال الدكتور أشرف جلال عميد كلية الإعلام وتكنولوجيا الاتصال بجامعة السويس، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط ، إن الثقافة مكون أساسي لوعي الشعب المصري مشيراً إلى أن هذا الوعي الثقافي العالي جداً لدى المصريين لعب دوراً كبيراً في التصدي لمحاولات الاستقطاب التي تعرض لها هذا الشعب. وأوضح أشرف جلال أن الثقافة بمفهومها الواسع تشمل الصحافة والإعلام والمسرح والفنون والندوات، فالمواطن المصري البسيط يقوم بشراء كتاب من سور الأزبكية بـ 10 جنيهات قد تكون الأخيرة في جيبه حتى يستطيع أن يفهم ما يدور حوله ويزيد وعيه ، وفي داخل كل بيت تجد مجموعة من الكتب يطلع عليها صاحبها وهو ما خلق زخماً ثقافياً ووعيا فردياً وجماعيا وجمعيا نبه المصريين إلى أن هناك تيارات واستقطابات موجودة لابد وأن يكون المصريون صفا واحدا في مواجهتها. تيارات الاستقطاب والثقافة الراسخة وأشار إلى أن تيارات الاستقطاب سريعة وهوائية ومؤقتة بعكس التيارات الثقافية التي تكون أصيلة وثابتة وراسخة ، فهذه التيارات مثل الريح التي تتعرض لها شجرة ثابتة راسخة في الأرض وهي الثقافة التي يستظل بها الناس ويأكلون من ثمرتها. ولفت الدكتور أشرف جلال إلى أن التماسك المجتمعي هو عامل أساسي لاستقرار الوطن، مشيرًا إلى أن المجتمع المصري يمتلك قدرات كبيرة على التكاتف في أوقات الأزمات، وأن الشعب المصري يشكل دائمًا الدرع الحصين لمواجهة الأزمات، وأن الوعي والتماسك يمثلان الأساس الذي يمكن من خلاله الحفاظ على استقرار الدولة وتعزيز قدرتها على إدارة الأزمات بكفاءة وحكمة. من جانبها، قالت الدكتورة منى الحديدي أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب بجامعة العاصمة/حلوان/ سابقا، لم تكن الشخصية المصرية يوماً نبتة عشوائية في صحراء التاريخ، بل هي نسيج معقد ومبهر غُزلت خيوطه عبر آلاف السنين على ضفاف النيل؛ ليُشكل سبيكة عصية على الانكسار تسمى "الهوية المصرية، وعندما اندلعت أحداث الثلاثين من يونيو، لم يكن الحراك مدفوعاً بضغوط اقتصادية أو سياسية فحسب، بل كان في عمقه الأيديولوجي انتفاضة وجودية لحماية هذه السبيكة من محاولات التذويب والمسخ الفكري. وأضافت دكتورة منى، لوكالة أنباء الشرق الأوسط ، "لقد كانت تلك اللحظة التاريخية إعلاناً شعبياً حاسماً بأن مصر لا يمكن اختزالها في قالب ضيق، وأن تجريف وعيها الثقافي هو مساس مباشر بأمنها القومي ومن هنا، غدت الثقافة بعد 30 يونيو ليست مجرد ترف فكري أو أداة للترفيه، بل تحولت إلى فلسفة مواجهة وركيزة أساسية لإعادة بناء الوعي الجمعي، لتبدأ معها معركة كبرى لم تكن غايتها بناء الحجر فحسب، بل تحصين البشر وإعادة صياغة الهوية الوطنية". وأشارت إلى أنه في أعقاب هذا الحراك التاريخي، أدركت الدولة المصرية ومثقفوها أن الانتصار في الميدان السياسي والوعي المجتمعي لا يكتمل دون تحقيق انتصار حاسم في "معركة العقول"، حيث واجهت الثقافة المصرية حينها تحدي تفكيك الخطابات المتطرفة التي حاولت لسنوات زرع الاغتراب الفكري بين المواطن ووطنه ومن هنا عملت المؤسسات الفكرية والتنويرية على إرساء مفهوم شامل للمواطنة يتسع للجميع دون تمييز، وتفنيد الأفكار الظلامية عبر الندوات والمطبوعات وسلاسل المواجهة وسد المنافذ أمام سرديات التجهيل. وقالت أستاذ علم الاجتماع، :" لم تعد هذه الحركة التنويرية حبيسة الصالونات الثقافية المغلقة في العاصمة، بل انطلقت الدولة نحو استراتيجية مغايرة تقوم على "العدالة الثقافية" وتفكيك مركزية الإبداع فانتقلت الثقافة إلى الأقاليم والمحافظات الحدودية عبر قوافل "حياة كريمة" الثقافية التي دخلت القرى والنجوع، ومشروعات مثل "أهل مصر" الذي استهدف دمج شباب سيناء ومطروح وحلايب وشلاتين مع شباب العاصمة"، موضحة أن هذا التلاحم الثقافي أذاب المسافات الجغرافية، ورسخ الشعور بالوحدة والمصير المشترك، ليؤكد أن الهوية الوطنية لا تكتمل إلا إذا نبت الوعي في عقول أطفال القرى تماماً كما ينمو في حواضر المدن. الدراما الوطنية ودورها في تشكيل الوعي وأكدت أنه في موازاة هذا الحراك الميداني، استعادت القوة الناعمة المصرية—لا سيما الدراما التلفزيونية والسينما والموسيقى—دورها التاريخي كقائد للرأي العام وصانع للوجدان، متحولة من مرحلة التشخيص والرصد إلى مرحلة المواجهة والتحصين ولأن التحدي الأكبر لأي أمة هو كيفية نقل الوعي عبر الأجيال، فقد واجهت الدولة معضلة أن الجيل الجديد لم يعاصر تحديات الثورة بشكل كامل، ولم يشهد زيف خطابات الجماعات المتطرفة؛ وهنا تدخلت الدراما الوطنية عبر أعمال ضخمة وموثقة مثل سلسلة أجزاء مسلسل "الاختيار"، و"هجمة مرتدة"، وفيلم "الممر"، لتقدم توثيقاً حياً وبصرياً نجح في بناء "مصل فكري" يحمي عقول الشباب من محاولات غسيل الأدمغة الرقمية. وأوضحت الدكتورة منى أن هذه الأعمال لم تكتفِ بالجانب الحماسي، بل مارست دور المشرط الجراحي الذي فكك البروباجندا الظلامية وعرّى خطابات التزييف والمظلومية التاريخية التي استغلت العواطف الدينية لعقود، كما أحدثت هذه الأعمال ثورة تصحيحية في المفاهيم السلوكية، حيث أعادت إحياء مفهوم "البطل الشعبي" الواقعي المستمد من تضحيات رجال القوات المسلحة والشرطة والمجتمع المدني، بدلاً من تصدير نماذج "البلطجة" التي سادت لسنوات، فأصبح الانتماء والتضحية هما السمات الجاذبة والقدوة الملهمة للشباب. وقالت إن تكامل هذا الوعي الدرامي مع نمط جديد من الأغنية الوطنية التي واكبت "معركة البناء والتنمية"، محتفية بالعامل المصري وبالمشروعات القومية، لترسخ في الوجدان العام فكرة أن العمل والإنتاج هما الوجه الآخر للدفاع عن الوطن. وأضافت الدكتورة منى الحديدي أنه لم يتوقف تجسيد الهوية عند معارك الحاضر، بل امتد ليشمل الاحتفاء بالتراث الحضاري العريق كمنطلق لبناء المستقبل، فجاء المشهد الثقافي البصري العالمي الذي قدمته مصر في محافل كبرى مثل "موكب المومياوات الملكية" وافتتاح "طريق الكباش" وتدشين المتاحف الكبرى كالمتحف القومي للحضارة والمتحف المصري الكبير، لينقل الهوية المصرية من بطون الكتب التاريخية إلى شاشات العالم، ليحيي في قلب كل مواطن مشاعر الفخر والانتساب لأقدم حضارة مستمرة على وجه الأرض. وتابعت قائلة "إن ذلك ترافق أيضا مع جهود مكثفة لتسجيل الفنون والحرف التراثية غير المادية على قوائم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة/اليونسكو/، كالأراجوز والنسيج والخط العربي، باعتبارها البصمة الجينية المميزة للشخصية المصرية". وأكدت استاذ علم الاجتماع أن هذه المسيرة الثقافية المتكاملة في مرحلة ما بعد 30 يونيو قد برهنت على أن بناء المدن وتشييد الجسور وشق الطرق، على عظمته وأهميته، يظل جسداً بلا روح ما لم يرافقه بناء الوعي وتشييد الإنسان. وشددت على أن الثقافة لم تعد على هامش الدولة، بل أصبحت في قلب مشروعها النهضوي؛ فهي الضمير الحي الذي يحول الانتماء من مجرد شعار يُهتف به إلى سلوك يومي ويقين فكري، مشيرة إلى أن مصر نجحت، عبر استدعاء مخزونها الثقافي والحضاري واستنهاض قوتها الناعمة، في دحر محاولات الاختطاف الفكري، وأثبتت أن هويتها الوطنية عصية على المحو، وأن قواها الإبداعية ستبقى دائماً هي المنارة التي تبدد ظلمات الجهل، والدعامة الصلبة التي يرتكز عليها الوطن وهو يعبر بثقة وثبات نحو مشارف المستقبل.