حددت وزارة الاوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان : ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، موضحة الهدف المراد توصيله: بيان فضل مصر وخصوصيتها، وأن الأمن والأمان أساس استقرار الأوطان ونهضتها. كما حددت موضوع الخطبة الثانية: التحذيرمن التطاول على الدين بسب أو شتم في أوقات الغضب والمشاجرات. فمن أجلِّ نعم الله تعالى على مصرنا الحبيبة نعمة الأمن والأمان، فبالأمن والأمان تتوحد نفوس العباد، وتزدهر حياة الخلق، وتُغدق الأرزاق، ويتعارف الناس، وتُتَلقى العلوم من منابعها الصافية، ويزداد الحبل الوثيق بين الأمة وقادتها، وتتوثق الروابط بين أفراد المجتمع، فتتوحد كلمتهم، ويأنس جميعهم، ويتبادلون منافعهم، وتقام شعائر دينهم بطُمأنينة، ويعمرون الأرض، ويبنون الحضارة، ويتوسعون في العمران، فيسعدون دُنيا وأخرى. وإذا اختل الأمن تبدل الحال، ولم يهنأ أحد منهم براحة بال، فيلحق الناس الفزع في عبادتهم، وتُهجر دور العبادة، وتتقطع أواصر المودة بينهم، وتُعاق نهضتهم، وينضب وصول الخير إلى الآخرين، وينقطع تحصيل العلم وملازمة العلماء، ولا توصل الأرحام، ويئن المريض فلا دواء ولا طبيب، وتختل المعايش، وتُهجر الديار، وتفارَق الأوطان، وتتفرق الأسر، وتنتقض عهود ومواثيق، وتبور التجارة، ويتعسر طلب الرزق، وتتبدل طباع الخلق، فيظهر الكذب والشح والخيانة، فيشقى الخلق دُنيا وأخرى. مصر بلد الأعاجيب ولا عجب! إن مصر بلد مكرَّم عند الله تعالى، منحه الله تعالى من الحفظ والرعاية ما لم يعط بلدًا مثله في الدنيا، قال الإمام الكِندي في "فضل مصر": "بمصر العجائب والبركات، فجبلها المقدس، ونيلها المبارك، وبها الطور الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام؛ وبها الوادي المقدس، وبها ألقى موسى عصاه، وبها فلق البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون، وبها ولد عيسى، وبها كان ملك يوسف، وبها النخلة التي ولدت مريم عيسى تحتها بريف من كورة إهناس، وبها مسجد إبراهيم، ومسجد يعقوب، ومسجد موسى، ومسجد يوسف، ومسجد مارية سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبها مجمع البحرين وهو البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ یَلۡتَقِیَانِ ١٩ بَیۡنَهُمَا بَرۡزَخࣱ لَّا یَبۡغِیَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠]. ومصر عند الحكماء العالَمُ الصغير، سليلُ العالم الكبير؛ لأنه ليس في بلد غني غريب إلا وفيها مثله وأغرب منه، وتفضل على البلدان بكثرة عجائبها". [حسن المحاضرة للسيوطي بتصرف]. وقد أشار إلى ذلك ابن خلدون في «المقدمة» حيث قال: «ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر، فهي أم العالم، وإيوان الإسلام، وينبوع العلم والصنائع». ففضل الله تعالى على هذا البلد عظيم، وخيره عميم، لا يستطيع العبد أن يحصره أو يحصيه. وكان من جملة حلول الأمن والأمان على أهل هذا البلد، أنه بلد أحبه الأنبياء، واستوطنه الأولياء، وآل إليه أهل البيت الكرام، فنعمت مصر وسعدت، إذ قبور الصالحين محل نزول الرحمات، وعين محل العناية الإلهية.