كتب : جمال عبد الناصر الجمعة، 03 يوليو 2026 06:04 م لكل ستارة أُسدلت حكاية، ولكل خشبة احتضنت المبدعين ذاكرة لا يطويها الزمن، وبين رفوف أرشيف المسرح المصري تتوارى قصص تستحق أن تعود إلى الضوء؛ قصص عن عروض صنعت التاريخ، ونجوم تركوا بصماتهم، وكواليس لم يعرفها الجمهور، ووثائق تحفظ ملامح عصر كامل من الإبداع. في هذه السلسلة نعيد فتح تلك الصفحات، لا من أجل استحضار الماضي فحسب، بل لإبقاء ذاكرة المسرح المصري حيّة، واستعادة ما قدمه رواده من فن وفكر وجمال، وتعريف الأجيال الجديدة بتراث مسرحي كان ولا يزال أحد أهم أعمدة القوة الناعمة المصرية. إذا كان التراث العربي قد حفظ اسم "ألف ليلة وليلة" بوصفه حوارًا بين شهريار وشهرزاد، فإن المسرح المصري أعاد كتابة هذا التراث بطريقة مختلفة؛ إذ منح البطولة كاملة لشهرزاد، وجعلها عنوانًا لمعظم العروض المسرحية، بينما ظل شهريار، على الرغم من كونه محور الصراع وباعث الحكاية، شخصية تكاد تغيب عن عناوين المسرحيات. ولا تكشف مراجعة تاريخ العروض المسرحية المصرية عن مجرد اختلاف في أسماء الأعمال، وإنما تكشف عن انحياز فني وجمالي واضح لصالح شهرزاد؛ فهي الشخصية التي استأثرت بخيال المؤلفين والمخرجين، بينما بقي شهريار في الظل، لا يظهر إلا استثناءً نادرًا. 12 شهرزاد.. وشهريار واحد فقط تكشف سجلات المسرح المصري أن قصة شهرزاد قُدمت في ما يقرب من اثني عشر إنتاجًا مسرحيًا لفرق مختلفة، في حين لم تحمل شخصية شهريار عنوانًا مستقلاً سوى مرة واحدة فقط طوال تاريخ المسرح المصري، وهو فارق يثير التساؤل حول طبيعة التلقي المسرحي للنص التراثي، وكيف أصبحت شهرزاد رمزًا يتجاوز الحكاية نفسها، ولعل هذا التفاوت يعكس المكانة الرمزية التي اكتسبتها شهرزاد بوصفها تجسيدًا للحكمة والدهاء وقوة الكلمة، وهي عناصر أكثر جاذبية للمعالجة المسرحية من صورة الملك الذي يمثل السلطة والقهر. حياة صبري زوجة سيد درويش البداية.. فرقة سيد درويش تفتح الستار عام 1921 كانت فرقة سيد درويش أول فرقة مسرحية مصرية تقدم قصة شهرزاد، وذلك عام 1921 في مسرحية من ثلاثة فصول، أخرجها عزيز عيد، ووضع موسيقاها سيد درويش، الذي شارك أيضًا في بطولتها إلى جانب نظلة مزراحي وحياة صبري، زوجته آنذاك، وقد مثّل هذا العرض البداية الحقيقية لرحلة شهرزاد على خشبات المسرح المصري، ولم تمض سنوات قليلة حتى أصبحت شهرزاد واحدة من أكثر الشخصيات التراثية جذبًا للفرق المسرحية. ففي عام 1926 قدمتها فرقة أولاد عكاشة "ترقية التمثيل العربي" في أربعة فصول على مسرح حديقة الأزبكية، بإخراج عمر وصفي، وموسيقى سيد درويش، وبطولة لطيفة نظمي وعلية فوزي وبشارة واكيم وعباس فارس، وفي العام نفسه، أعادت فرقة فيكتوريا موسى تقديم القصة بإخراج عبد العزيز خليل، وبطولة فيكتوريا موسى وعبد الله عكاشة ولبيبة فارس وعبد الوارث عسر وفاطمة سري، في دلالة على الشعبية الكبيرة التي حققتها الحكاية في تلك الفترة، واستمرت الرحلة مع فرقة بشارة واكيم عام 1930، حيث أخرج العرض عمر وصفي، وقام ببطولته بشارة واكيم، وسرينا إبراهيم، وعبد العزيز خليل، وعلية فوزي، ثم عادت شهرزاد إلى المسرح عام 1942 عبر الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى، في عرض أخرجه زكي طليمات عن نص ميهاك وهالفي، بموسيقى سيد درويش، وبطولة عقيلة راتب وعمر وصفي وإبراهيم حمودة ورجاء عبده، ولم يتوقف اهتمام زكي طليمات عند هذا الحد؛ إذ أعاد تقديم المسرحية مرة أخرى مع الفرقة القومية عام 1953، بطولة أمينة رزق وفؤاد شفيق ومحمد السبع، لتصبح شهرزاد واحدة من النصوص التي رافقت نشأة المسرح القومي المصري. مسرحية شهرزاد لفرقة بشارة واكيم وبطولته وشارك فيها استفان روستي من توفيق الحكيم إلى الرقص الحديث... قراءات متعددة لشهرزاد شهد عام 1966 تحولًا مهمًا حين قدمت الفرقة القومية معالجة جديدة مستندة إلى نص توفيق الحكيم، بإخراج كرم مطاوع، وديكور رؤوف عبد المجيد، وموسيقى كمال بكير، وبطولة سناء جميل ومحمد السبع وعبد الرحمن أبو زهرة وفاروق سليمان.وفي عام 1968 ظهرت معالجة جديدة جمعت بين نصوص ميهاك وهالفي وعزيز عيد وبيرم التونسي، أخرجها حسين جمعة، بديكور سيف درويش، وموسيقى سيد درويش، وبطولة منار أبو هيف وأحمد حمدي وعفاف حمدي، أما عام 1976 فقد شهد تقديم رؤية مختلفة مع فرقة عمر الخيام عن نص رشاد رشدي، أخرجها جلال الشرقاوي، وصمم ديكورها سكينة محمد علي، ووضع موسيقاها محمد الموجي، وقام ببطولتها محمد عوض ولبلبة وصلاح منصور وبدر الدين جمجوم.وفي الهناجر عام 1995، عاد نص توفيق الحكيم برؤية أخرجها جميل راتب، الذي شارك في البطولة مع سلوى خطاب وعمرو عبد الجليل، بينما صمم الديكور أشرف نعيم ووضع الموسيقى سليمان جميل، وكانت آخر محطات شهرزاد عام 2001 عندما تحولت الحكاية إلى عرض لفرقة الرقص الحديث التابعة لدار الأوبرا المصرية، في معالجة كتبها محمد رفاعي ووليد عوني، الذي تولى أيضًا الإخراج والديكور، مع موسيقى مزجت بين أعمال ريمسكي كورساكوف ونصير شمة، وبطولة أيمن عبد الفتاح ومناضل عنتر وكريمة بدير وكريمة نايت، لتنتقل شهرزاد من المسرح الدرامي إلى المسرح الحركي الراقص. لبلبة قدمت شهرزاد من اخراج جلال الشرقاوي شهريار.. البطل الغائب وعلى الجانب الآخر، يبدو حضور شهريار لافتًا بغيابه؛ إذ لم يعثر تاريخ المسرح المصري إلا على مسرحية واحدة حملت اسمه، وقدمتها الفرقة الحديثة عام 1955، عن نص عزيز أباظة وعبد الله البشير، وأخرجها فتوح نشاطي، وقام ببطولتها أحمد علام وأمينة رزق وفردوس حسن وحسن البارودي. ويمثل هذا العرض الاستثناء الوحيد في تاريخ طويل احتكرت فيه شهرزاد العنوان والبطولة. لماذا انتصرت شهرزاد؟ لا يبدو هذا الانحياز المسرحي مصادفة؛ فالمسرح بطبيعته ينجذب إلى الشخصية القادرة على الفعل والتغيير، بينما ظل شهريار في معظم المعالجات رمزًا للسلطة الجامدة، في حين مثلت شهرزاد العقل الذي يهزم السيف، والكلمة التي تنتصر على العنف، والخيال الذي يروض الاستبداد، ولهذا لم تكن شهرزاد مجرد بطلة لحكايات ألف ليلة وليلة، بل تحولت في المسرح المصري إلى أيقونة ثقافية أعاد كل جيل اكتشافها وفق أسئلته الجمالية والفكرية، فاستمرت حاضرة على الخشبة لأكثر من ثمانية عقود، بينما بقي شهريار عنوانًا عابرًا في سجل المسرح، رغم أنه كان الشرارة الأولى التي أنجبت كل تلك الحكايات. أحمد علام وأمينة رزق في مسرحية شهريار