لا يمكن قراءة التاريخ الاجتماعي المعاصر للمملكة العربية السعودية دون المرور بـ “شاشة التلفزيون” وما جرى حولها من تحولات بصرية وسلوكية. فمنذ دخول البث التلفزيوني الملون، وحتى تحول غرف المعيشة والملاحق إلى مراكز ترفيه رقمية متكاملة، كانت الألعاب الإلكترونية شريكًا أساسيًا في صياغة ذاكرة الأجيال المتعاقبة. هذه الرحلة الشائقة التي وثقها المؤرخون الاجتماعيون في حكاياتهم (مثل بودكاست “أشياء غيرتنا” من منصة ثمانية) تكشف كيف تحولت هذه الألعاب من ترف نادٍ مستورد إلى قطاع اقتصادي وثقافي ضخم تتبناه الدولة كركيزة من ركائز رؤية 2030. البدايات المتأخرة في السبعينات: أجهزة بالغة البساطة خلف البحار في أوائل سبعينات القرن العشرين، كان العالم الغربي يشهد ولادة ألعاب الفيديو التجارية الأولى مثل جهاز “ماجنافوكس أوديسي” (Magnavox Odyssey) ولعبة التنس البسيطة “بونغ” (Pong) التي لم تكن سوى بكسلات بيضاء تتحرك على شاشة سوداء. في تلك الفترة، كانت المملكة تعيش بدايات طفرتها التنموية الأولى، وكانت وسائل التسلية السائدة لا تزال تقليدية تعتمد على اللعب الحركي والاجتماعي في الحارات والبيوت. لم تكن تلك الأجهزة الإلكترونية بالغة البساطة متوفرة في السوق السعودية آنذاك؛ إذ كان الحصول عليها يتطلب السفر إلى الخارج أو استيرادها بشكل شخصي ومحدود للغاية عبر بوابات المغتربين أو المبتعثين. كانت الألعاب في نظر المجتمع حينها ترفًا غامضًا، وجهاز التلفزيون نفسه كان لا يزال يحبو في كسب اعتراف مجتمعي كامل كعضو أساسي في المنزل السعودي، فما بالك بربطه بجهاز خارجي يُمكّن الطفل من التحكم بما يعرضه! حقبة “الأتاري”: بداية مزاحمة الصغار لكبار السن مع مطلع الثمانينات، حدث الانفجار الأول لدخول الألعاب الإلكترونية إلى البيوت السعودية عبر جهاز “أتاري 2600” (Atari 2600). دخل هذا الجهاز الأسواق تدريجيًا ليتحول بسرعة إلى “أيقونة” العصر وجزء لا يتجزأ من هدايا النجاح والترقيات المدرسية. هنا بدأت ملامح صراع اجتماعي طريف داخل البيت السعودي. لم يكن في المنزل المتوسط سوى شاشة تلفزيون واحدة، توضع عادة في صالة المعيشة الرئيسية ويتحكم بها كبار السن (الآباء والأجداد) لمتابعة نشرات الأخبار أو المسلسلات اليومية. ومع انتشار “الأتاري”، بدأ الأطفال يزاحمون الكبار على هذه الشاشة الثمينة. نشأت طقوس وتنازلات يومية؛ حيث يُسمح للصغار باللعب لعدد محدود من الساعات (غالبًا في فترة العصر أو بعد المذاكرة) شريطة ألا يتم تخريب “شاشة التلفزيون” أو التسبب بـ “حرق بكسلات الشاشة” كما كانت تشيع الأساطير الشعبية وقتها لتخويف الأطفال من إطالة اللعب. صالات “الأركيد” وجهاز “صخر”: الجمع بين اللعب والتعليم بالتوازي مع انتشار الأجهزة المنزلية، شهدت فترة الثمانينات طفرة أخرى تمثلت في انتشار صالات ألعاب الفيديو العامة أو ما يُعرف بـ “الأركيد” (أو كما كانت تُسمى محليًا بـ “الفيش” أو “صالات الكمبيوتر”). أصبحت هذه الصالات، التي امتلأت بأصوات الموسيقى الإلكترونية الصاخبة وألوان النيون، الملتقى المفضل لشباب الحارة، حيث تشتعل المنافسات اليومية مقابل “ريال” أو “نصف ريال” يُوضع في فتحة الماكينة لتشغيل ألعاب مثل Pac-Man وSpace Invaders. وفي منتصف الثمانينات، ظهر بطل جديد في الساحة غير معادلة الترفيه العائلي تمامًا؛ إنه جهاز “حاسوب صخر” المعرّب (الذي أنتجته شركة العالمية بالتعاون مع ياماها اليابانية). ذكاء جهاز “صخر” تمثل في تقديم نفسه للمجتمع السعودي كأداة تعليمية وتطويرية للأطفال لتعلم البرمجة باللغة العربية والطباعة والرياضيات، مما أقنع الآباء (الذين كانوا يرفضون شراء الألعاب الخالصة) بدفع مبالغ طائلة لاقتنائه. لكن بالنسبة للأطفال، كانت لغة البرمجة “صخر بايسك” مجرد بوابة عبور للوصول إلى الألعاب الأسطورية مثل لعبة “البطريق” (Antarctic Adventure) ولعبة “القلعة” الشهيرة بـ “رامبو” (Castle Excellent) والساحر وغيرها. حاسوب العائلة: العصر الذهبي لذكريات الطفولة السعودية إذا سألت أي سعودي عاصر نهاية الثمانينات وبداية التسعينات عن جهاز طفولته المفضل، فلن يتردد في نطق اسم “حاسوب العائلة“ (النسخة اليابانية أو المقلدة من جهاز NES لشركة نينتندو). تميز هذا الجهاز بلونه الأحمر والأبيض الشهير، وبأشرطته الصفراء التي استقرت في ذاكرة الجميع بتقليد “النفخ في الشريط” عند تعليق اللعبة كحل سحري متوارث عبر الأجيال لإزالة الغبار. حمل “حاسوب العائلة” باقة من الألعاب التي نقشت أسماءها بحروف من ذهب في الوجدان الشعبي السعودي: سوبر ماريو (Super Mario Bros): السباك الذي يبحث عن الأميرة، والذي كان بمثابة التحدي الأكبر لإنهاء مراحله الثمانية دون ميزة “حفظ اللعبة”. صيد البط (Duck Hunt): اللعبة التي أذهلت الجميع باستخدام “المسدس الضوئي” الموجه نحو شاشة التلفزيون الضخمة، والكلب المستفز الذي يضحك عند إخفاق اللاعب في إصابة البط. قاط قاط (Circus Charlie): وهي اللعبة التي اشتهرت محليًا باسم “قاط قاط” أو “لعبة السيرك”، حيث يتحكم اللاعب بـ “تشارلي” المهرج وهو يقفز فوق الأسود المشتعلة بالنار أو يركب الخيل، محاولاً تجاوز الحواجز في تناغم موسيقي طفولي لا يُنسى. دخول “سيجا” وتأثير الألعاب على “كرة القدم في الحارة” مع بداية التسعينات، دخل جيل الـ 16 بت عبر جهازي “سيقا ميجا درايف” (Sega Mega Drive) والمنافس الشريد “سوبر نينتندو”. قدمت سيقا بطلها السريع “سونيك” ورسومات أكثر واقعية وقوة، وبدأت هذه الألعاب في الاستحواذ على عقول الأطفال والمراهقين بشكل غير مسبوق. هذا التطور التكنولوجي لم يبقَ حبيس الجدران الأربعة للمنازل، بل بدأ يؤثر بشكل مباشر على الألعاب الجسدية التقليدية وخاصة “كرة القدم في الحارة“. فقبل هذه الحقبة، كان قضاء فترة العصر كاملاً في لعب الكرة في شوارع الحارة مستخدمين “الحصى” كمرمى هو الطقس اليومي المقدس لكل فتى. ومع دخول ألعاب كرة القدم الإلكترونية الأكثر جاذبية وسرعة، بدأت شمس “كرة الحارة” بالمغيب تدريجيًا. فبدلًا من الركض تحت أشعة الشمس الحارقة، أصبح الأطفال يفضلون التجمع في مجالس وملاحق البيوت للعب مباريات افتراضية حماسية تدار من خلال القبضات البلاستيكية. بلاي ستيشن 1 (PS1): الثورة الكبرى والتحول الجذري تأثير الألعاب الإلكترونية بلغ أوجه الفعلي مع دخول الجهاز الأكثر شهرة وتأثيرًا في تاريخ المجتمع السعودي: “بلاي ستيشن ون“ عام 1995م. نقل هذا الجهاز اللاعبين من عالم الرسوم ثنائية الأبعاد (2D) إلى عوالم ثلاثية الأبعاد (3D) ساحرة ومذهلة. لم يكن البلاي ستيشن مجرد جهاز لعب، بل كان ظاهرة اجتماعية متكاملة. انتشرت “أشرطة الكوبي” (الأقراص المنسوخة) التي كان يباع الواحد منها بخمسة أو عشرة ريالات فقط، مما جعل الألعاب في متناول الجميع دون استثناء. ارتبط هذا الجهاز بظهور “الملاحق الخارجية” في البيوت السعودية كغرف مخصصة للتجمع واللعب حتى ساعات الصباح الأولى، واشتهرت ألعاب مثل سلسلة كرة القدم اليابانية (Winning Eleven) التي كان يطلق عليها محليًا اسم “الدوري الياباني”، ولعبة “كراش بانديكوت” (Crash Bandicoot)، و”درايفر” (Driver) الشهيرة بمهمة المرآب الصعبة، وسلسلة رعب البقاء “رزدنت إيفل” (Resident Evil). في هذا العصر، ظهرت أهمية “كرت الذاكرة” (Memory Card) الذي كان بمثابة الكنز الشخصي لكل لاعب للحفاظ على تقدمه في الألعاب. قصص الأسواق الشعبية والفروقات بين الأجيال تكونت حول عالم الألعاب الإلكترونية في السعودية أسواق تجارية ذات طابع خاص وقصص ملهمة. ففي الرياض مثلاً، كان “سوق البطحاء” (وعمارة الشعلة لاحقًا) يمثلان مكة الألعاب الإلكترونية؛ حيث يتوافد الآباء مع أطفالهم لشراء الأجهزة أو “تعديلها” لتقرأ الأشرطة المنسوخة. وفي جدة، كانت “الجنوبية” شريان هذا العالم. تميزت هذه الأسواق بشخصيات البائعين الذين كانوا يعرفون أسرار الألعاب ويعيرون الأشرطة ويستبدلونها، مما خلق علاقات اجتماعية دافئة وتجارة قائمة على التبادل والخبرة البصرية. اليوم، تبدو الفروقات شاسعة بين لاعبي ذلك “الجيل الذهبي” (جيل الطيبين) والجيل الحالي: وجه المقارنة جيل الطيبين (الأتاري، العائلة، PS1) الجيل الحالي (PS5، البي سي، الموبايل) طبيعة اللعب لعب جماعي محلي (على نفس الأريكة ونفس الشاشة) لعب عبر الإنترنت (أونلاين) مع الغرباء والأصدقاء عن بُعد اقتناء الألعاب أقراص وأشرطة ملموسة، ونفخ بالغبار وتعديل قطع داخلية تحميل رقمي فوري، واشتراكات سحابية، ومشتريات داخل اللعبة العلاقات الاجتماعية تعزيز التجمعات في الملاحق والبيوت ومشاركة الذكريات بصوت واحد تواصل رقمي مستمر عبر سماعات الرأس، مع ميل أكبر للعزلة الفردية صناعة الألعاب مستهلكون لمنتجات مستوردة يبحثون عن ترفيه بسيط لاعبون محترفون، وصناع محتوى، ومطورون ضمن رؤية وطنية طموحة في النهاية، لم تعد الألعاب الإلكترونية في السعودية مجرد وسيلة لتمضية الوقت أو صراع طفولي على شاشة تلفزيون الصالة؛ بل أصبحت جزءًا أصيلاً من الثقافة الشعبية، وتاريخًا عريضًا يعبر عن نمو المجتمع السعودي وتطوره التقني والاجتماعي. إنها الذاكرة الحية التي تجعلنا نبتسم كلما سمعنا نغمة تشغيل البلاي ستيشن الأولى، أو تذكرنا محاولاتنا اليائسة للقفز فوق النيران مع “قاط قاط” في ظهيرة يوم صيفي دافئ. كاتب أعشق ألعاب الفيديو منذ أيام جهاز العائلة، و أفضل ألعاب المغامرات أمثال Tomb Raider و Assassins Creed (قبل التحول للـRPG)، ليس لدي تحيز لأي جهاز منزلي بالنسبة لي الأفضل هو الذي يقدم الألعاب الأكثر تميزاً. ما يهمني هو التجارب ذات السرد القصصي المشوق فالقصة هي أساس المتعة أكثر من الجيمبلاي.