لم يكن الشاب الهندي البالغ من العمر 36 عاماً، يعلم أن رحلته الجوية الهادئة القادمة من إحدى العواصم العربية نحو مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء ستكون محطته الأخيرة في عالم الحرية. فبمجرد أن وضع جواز سفره على الماسح الضوئي في بوابة المراقبة، أضاءت الشاشات باللون الأحمر، لتعلن أن المسافر الهادئ ليس سوى صيد دولي ثمين، تطارده الأجهزة الفيدرالية الأمريكية منذ سنوات. العملية الخاطفة التي نفذتها عناصر الأمن الوطني المغربي، لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت بناءً على أمر دولي صادر عن المكتب المركزي الوطني بواشنطن (الأجهزة القضائية الأمريكية)، بعد إدراج اسم الراكب على قوائم «الإنتربول» أحد أخطر المطلوبين في الجرائم المالية والاقتصادية المنظمة. الرعب عبر الهاتف تكشف تفاصيل التحقيقات الأمريكية، التي تقاطعت مع المعطيات الأولية للأمن المغربي، شبكةً إجراميةً شديدة التعقيد قادها المتهم بين عامي 2020 و2021. لم يكن الأمر يتعلق باحتيال إلكتروني تقليدي، بل بإدارة «مركز نداء» (Call Center) سري في قلب واشنطن، تحول إلى غرفة عمليات لممارسة الابتزاز السيكولوجي ضد مواطنين أمريكيين. الخطة كانت تعتمد على الحرب النفسية، إذ يقوم موظفو المركز بالاتصال بالضحايا منتحلين صفات ضباط شرطة وموظفين في أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية. وبنبرة حادة وصارمة، يتم إيهام الضحايا بأنهم ملاحقون قضائياً ويواجهون خطراً حتمياً بالسجن. وتحت تأثير الذعر والتهديد بالمحاكمة، كان الضحايا يرضخون لطلبات الشبكة، ويقومون بتحويل مبالغ مالية ضخمة عبر حسابات وسيطة. وهنا يأتي دور المتهم الهندي في إدارة عمليات غسيل الأموال، إذ كان يتولى سحب هذه التدفقات النقدية فوراً باستخدام وثائق هوية وبطاقات تعريفية مزورة، تختفي معها معالم الجريمة. رحلة التسليم توقيف هذا المبتز الدولي في الدار البيضاء يعكس اليقظة الصارمة للمصالح الأمنية المغربية، والتزامها بتفعيل بروتوكولات التعاون الدولي لملاحقة الجريمة العابرة للحدود، التي لا تعترف بالمسافات. وفور تصفيد المتهم، تم إخضاعه للتدابير القانونية ومسطرة الحراسة النظرية تحت إشراف النيابة العامة المختصة، تمهيداً لتقديمه أمام القضاء للنظر في قرار تسليمه. وفي اللحظة نفسها، كان مكتب «أنتربول الرباط» يرسل برقية عاجلة إلى نظيره في واشنطن، ليبلغ الفيدراليين الأمريكيين بأن الرجل الذي يبحثون عنه بات الآن خلف القضبان في المغرب، بانتظار الطائرة التي ستعيده إلى أمريكا ليمثل أمام قضائها.