ملخص المقال يعد وصول المنتخب المغربي لربع نهائي مونديال 2026 محطة جدلية؛ فبينما يراه البعض إنجازاً، يرى آخرون أنه لا يرقى لطموحات منتخب بات يصنف ضمن الكبار. إن هذا التباين يعكس تطور سقف التوقعات بعد إنجاز قطر 2022، حيث لم يعد الهدف مجرد المشاركة المشرفة بل المنافسة على الأدوار النهائية. إن الشعور بخيبة الأمل ليس تقليلاً من قيمة ما تحقق، بل هو دليل على نضج المشروع الرياضي المغربي الذي انتقل من مرحلة البحث عن التأهل إلى مرحلة التساؤل عن أسباب عدم المضي قدماً نحو منصات التتويج. منذ صافرة النهاية أمام فرنسا، انقسمت الآراء بين من اعتبر وصول المنتخب المغربي إلى ربع نهائي كأس العالم 2026 إنجازًا جديدًا، ومن رأى أن الخروج في هذه المرحلة لا يرقى إلى مستوى الطموحات. في رأيي، الإجابة ليست بسيطة، لأنها تعتمد على سؤال آخر: كيف نقيس الإنجاز؟ في الرياضة، الإنجاز ليس رقمًا ثابتًا يصلح لكل المنتخبات. إنه معيار يتغير مع التاريخ، ومع ما حققته سابقًا. فما كان إنجازًا بالأمس، قد يصبح اليوم مجرد محطة طبيعية في مشروع يتطور باستمرار. قبل مونديال قطر 2022، كان مجرد تجاوز دور المجموعات حدثًا استثنائيًا بالنسبة للمغرب. أما بعد الوصول إلى نصف النهائي وكتابة صفحة جديدة في تاريخ الكرة العالمية، فقد ارتفع سقف التوقعات تلقائيًا. لم يعد المنتخب المغربي يُقارن بمنتخبات لم يسبق لها تجاوز الدور الأول أو الثاني، بل أصبح يُقارن بنفسه، وبالمستوى الذي فرضه على العالم قبل أربع سنوات. لهذا السبب، قد يبدو ربع النهائي إنجازًا كبيرًا في نظر جماهير كثيرة خارج المغرب، خصوصًا في الدول التي لم تعش تجربة مشابهة. فكل شعب يقيس النجاح وفق تاريخه الرياضي. أما داخل المغرب، فقد أصبحت الطموحات مختلفة، لأن المشروع نفسه تغيّر. وهذا ليس نوعًا من الجحود أو التقليل من قيمة ما تحقق، بل نتيجة طبيعية لأي مشروع ناجح. فحين يصبح فريقك من بين أفضل منتخبات العالم، فإن الهدف لم يعد المشاركة المشرفة، بل المنافسة على الأدوار الأخيرة. يمكن للمغاربة أن يفتخروا بالمسار الذي قدمه منتخبهم، وفي الوقت نفسه يشعروا بخيبة لأن حلم العودة إلى نصف النهائي لم يتحقق. فلا يوجد تعارض بين الفخر والطموح، بل إن الطموح الحقيقي هو الذي يمنع الاكتفاء بما تحقق. ولو سألت رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، بعد الإقصاء، فمن المستبعد أن يحتفل بمجرد بلوغ ربع النهائي. الأغلب أنه سيكون منشغلًا بسؤال آخر: ما الذي كان ينقص المنتخب للوصول إلى المربع الذهبي؟ وهذا هو جوهر المشاريع الرياضية الكبرى. فهي لا تبني ثقافتها على الاحتفال بكل خطوة، بل على البحث الدائم عن الخطوة التالية. لا يعني ذلك أن مشاركة المنتخب المغربي في مونديال 2026 كانت فاشلة، كما لا يعني أن ربع النهائي نتيجة سيئة. لكنه، بالنسبة لمنتخب أصبح ضمن نخبة الكرة العالمية، لم يعد يمثل نهاية الطموح، بل الحد الأدنى الذي ينبغي البناء عليه. فالمنتخبات الكبرى لا تُقاس بعدد مرات وصولها إلى ربع النهائي، وإنما بقدرتها على تكرار المنافسة على الألقاب، وترسيخ حضورها بين الكبار. وربما يكون هذا هو أكبر إنجاز حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة: لم يعد السؤال “هل تأهلنا؟”، بل أصبح “لماذا لم نذهب أبعد؟”. وعندما تتغير الأسئلة، فهذا دليل على أن مكانة المنتخب قد تغيرت أيضًا.