كتب حسام الشقويرى الأحد، 12 يوليو 2026 05:02 م ربما لم تحظَ منطقة وسط أفريقيا بالاهتمام الذي نالته أسواق أفريقية أخرى، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن هذا الوضع بدأ يتغير. فالإقليم يجمع بين قاعدة سكانية كبيرة، وثروات طبيعية هائلة، واحتياجات تأمينية واسعة لم تلب بعد، في وقت تتسارع فيه الإصلاحات التشريعية، ويتزايد انتشار التكنولوجيا المالية، وترتفع شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، وبالنسبة لصناعة التأمين، فإن أكبر الفرص غالبًا لا تكون في الأسواق التي وصلت إلى مرحلة التشبع، وإنما في الأسواق التي ما زالت في بداية مسارها. تأمينات الحياة كانت تأمينات الحياة من أقل فروع التأمين انتشاراً في دول وسط أفريقيا، ليس بسبب ضعف الحاجة إليها، وإنما نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية تراكمت على مدى عقود. فمتوسط الدخول في عدد من دول الإقليم لا يزال محدوداً، الأمر الذي يجعل الإنفاق على التأمين طويل الأجل أقل أولوية بالنسبة لكثير من الأسر مقارنة بالاحتياجات المعيشية الأساسية. كما أن انخفاض الوعي بأهمية الادخار التأميني، وضعف انتشار المنتجات المرتبطة بالتقاعد أو التعليم أو حماية الأسرة، أسهما في بقاء معدلات انتشار تأمينات الحياة عند مستويات متواضعة مقارنة بالأسواق الأكثر تطوراً في أفريقيا، مثل جنوب أفريقيا أو المغرب أو مصر. إلا أن الصورة بدأت تتغير تدريجياً؛ فقد أدى توسع الطبقة المتوسطة في بعض الدول، إلى جانب زيادة التوظيف في قطاعات النفط والغاز والتعدين والخدمات، إلى ارتفاع الطلب على برامج الحماية المالية للعاملين وأسرهم. كما بدأت شركات التأمين في تصميم منتجات أكثر بساطة ومرونة، تعتمد على أقساط منخفضة وسداد إلكتروني، بما يجعلها في متناول شرائح أوسع من السكان. ومن المتوقع أن تكون تأمينات الحياة من أسرع الفروع نمواً خلال العقد المقبل إذا استمرت جهود الشمول المالي وارتفعت مستويات الدخل وتحسن الوعي التأميني. التأمين الطبى كشفت جائحة كورونا بوضوح حجم الفجوة في نظم والتمويل والرعاية الصحية في كثير من دول وسط أفريقيا، وأعادت التأكيد على أهمية التأمين الطبى باعتباره أحد أدوات الحماية الاجتماعية والاقتصادية. ولا تزال نسبة كبيرة من الإنفاق الصحي في الإقليم تعتمد على السداد المباشر من المواطنين عند تلقي الخدمة، وهو ما يفرض أعباء مالية كبيرة على الأسر، خاصة في حالات الأمراض المزمنة أو العمليات الجراحية أو الحوادث. وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت بعض الحكومات إلى دراسة أو تنفيذ برامج للتغطية الطبية، مع تشجيع القطاع الخاص على تقديم حلول تأمينية للأفراد والشركات. كما بدأت شركات التأمين في التعاون مع المستشفيات وشركات التكنولوجيا لتطوير خدمات إصدار الوثائق الرقمية، وسداد المطالبات إلكترونيًا، وإدارة الشبكات الطبية بصورة أكثر كفاءة. ويمثل هذا الفرع أحد أكبر مجالات النمو المستقبلية، خصوصاً مع تزايد أعداد السكان وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وزيادة الطلب على الخدمات الطبية الحديثة. التأمين الزراعي يُعد القطاع الزراعي مصدراً رئيسياً للدخل في العديد من دول وسط أفريقيا، ويوفر فرص عمل لملايين السكان، إلا أنه يواجه في الوقت نفسه أخطاراً متزايدة ترتبط بالتغيرات المناخية، مثل الجفاف والفيضانات والآفات الزراعية وعدم انتظام مواسم الأمطار. ورغم هذه المخاطر، فإن التأمين الزراعي لا يزال محدود الانتشار، بسبب ارتفاع تكلفة تقييم الأخطار، وصعوبة الوصول إلى المزارعين في المناطق النائية، وضعف البيانات المناخية والإنتاجية. إلا أن التطورات التكنولوجية بدأت تغير هذه المعادلة. فقد أصبح من الممكن استخدام صور الأقمار الصناعية، والبيانات المناخية، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، لتقدير حجم الأضرار بصورة أكثر سرعة ودقة، كما ظهرت منتجات تعتمد على مؤشرات الطقس بدلاً من المعاينات التقليدية، وهو ما يقلل تكلفة التشغيل ويُسرع صرف التعويضات. ويُتوقع أن يزداد الاهتمام بالتأمين الزراعي خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بالأمن الغذائي، واتساع برامج تمويل الزراعة، وحرص المؤسسات الدولية على دعم صغار المزارعين في مواجهة آثار تغير المناخ. التوقعات المستقبلية لنمو صناعة التأمين في وسط أفريقيا تشير معظم المؤشرات الاقتصادية إلى أن العقد المقبل قد يمثل نقطة تحول حقيقية لقطاع التأمين في الإقليم، إذا استمرت الإصلاحات الحالية ونجحت الحكومات في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمؤسسي. ومن المرجح أن ترتفع مساهمة القطاع في الاقتصادات الوطنية مع توسع الاستثمارات في الطاقة والتعدين والبنية التحتية والزراعة، وزيادة الطلب على التأمينات التجارية والهندسية، إلى جانب نمو التأمين الطبي وتأمينات الحياة. كما يُتوقع أن يصبح الهاتف المحمول والمنصات الرقمية القناة الرئيسية لتوزيع المنتجات التأمينية، بما يسمح بوصول الخدمات إلى ملايين العملاء الجدد الذين لم يسبق لهم التعامل مع شركات التأمين. وسوف تلعب التكنولوجيا دوراً أكبر في تقييم الأخطار، وتسعير الوثائق، واكتشاف الاحتيال، وتسوية المطالبات، وهو ما يرفع كفاءة الشركات ويخفض تكلفة تقديم الخدمات. وفي المقابل، ستظل هناك تحديات لا يمكن تجاهلها، من بينها:استمرار التفاوت الاقتصادي بين دول الإقليم.مخاطر التغيرات المناخية.الحاجة إلى تطوير الكفاءات البشرية.تعزيز الثقة في المنتجات التأمينية.تحسين جودة البيانات والإحصاءات. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن وسط أفريقيا قد تنتقل خلال السنوات العشر المقبلة من كونها منطقة ذات نشاط تأميني محدود إلى واحدة من أسرع الأسواق نمواً في القارة، خاصة إذا نجحت في استثمار مواردها الطبيعية، وتحسين بيئة الأعمال، والاستفادة من التحول الرقمي.