عند النظر إلى الادعاءات المدونة على العبوات، قد يظن كثيرون أن قرصاً بسيطاً من الزنك يمثل حلاً سريعاً لكل شيء، بدءاً من نزلات البرد وضعف المناعة، وحتى خصوبة الرجال. ولكن، هل تفيد هذه الأقراص حقاً؟ وهل ينبغي تناولها؟ ما هو الزنك؟ ولماذا يحتاج إليه الجسم؟ يعد الزنك من المعادن الأساسية التي تحتاجها مئات الإنزيمات المشاركة في عملية التمثيل الغذائي وتخليق الحمض النووي والتئام الجروح والوظائف المناعية. وعلى مستوى الجهاز المناعي تحديداً يساعد الزنك الخلايا المناعية على النمو والتواصل والاستجابة للعدوى. ونظراً إلى افتقار الجسم لنظام تخزين رئيس لهذا المعدن، فإننا نحتاج إلى استهلاكه بانتظام عبر الغذاء. وتشمل المصادر الغذائية الجيدة اللحوم والمأكولات البحرية (لا سيما المحار) ومنتجات الألبان والبقوليات والمكسرات والحبوب الكاملة. في البلدان ذات الدخل المرتفع، يحصل معظم الأفراد على كميات كافية من الزنك من خلال نظامهم الغذائي، لا سيما أولئك الذين يتناولون اللحوم والمنتجات الحيوانية. ماذا يحدث عندما لا تحصل على ما يكفي من الزنك؟ على رغم أن النقص الحاد في الزنك لا يعد شائعاً في البلدان ذات الدخل المرتفع، فإن حوالى 3 من كل 10 أستراليين معرضون لخطر الإصابة بنقص طفيف نتيجة عدم حصولهم على كمية كافية منه في نظامهم الغذائي. وكما أسلفنا، يعتبر الزنك أساساً لعمل الجهاز المناعي بصورة طبيعية. فهو يدعم كلاً من المناعة الفطرية (استجابة الجسم الفورية للعدوى) والمناعة التكيفية (الذاكرة المناعية الطويلة الأمد وإنتاج الأجسام المضادة). وتبعاً لذلك، في حال انخفاض مستويات الزنك بشدة، قد يصبح الأفراد أكثر عرضة للإصابة بالعدوى ويستغرقون وقتاً أطول للتعافي من المرض. إضافة إلى ذلك، يمكن لهذا النقص أن يؤدي إلى تساقط الشعر وضعف التئام الجروح وتغيرات في حاستي التذوق والشم، بالإضافة إلى ظهور مشكلات جلدية. أما لدى الأطفال، فيمتد التأثير ليطال جوانب النمو والتطور. والأهم من ذلك كله، أن الخلل المناعي قد يحدث على طرفي النقيض، إذ إن النقص الشديد أو الزيادة المفرطة في الزنك من شأنهما أن يعيقا الاستجابات المناعية. الزنك ونزلات البرد في هذا السياق، لعل أكثر ما يشتهر به الزنك هو سمعته بكونه “مكافحاً لنزلات البرد”. وللتحقق من ذلك، استقصت مراجعة أجرتها مؤسسة كوكرين “Cochrane” لعام 2024 (التي تعد المعيار الذهبي في البحوث القائمة على الأدلة) دور الزنك في الوقاية من نزلات البرد وعلاجها. وشملت المراجعة 34 دراسة، ركزت 15 منها على الوقاية من نزلات البرد، بينما تناولت 19 دراسة سبل العلاج. وبصورة عامة، خلصت المراجعة إلى أنه من غير المرجح أن تقي مكملات الزنك من نزلات البرد. ومع ذلك، فإنها قد تقلص مدة الإصابة بها بنحو يومين مقارنة بالمجموعة التي تناولت الدواء الوهمي. وعلى رغم هذه النتائج، لم يتضح ما إذا كان الزنك يؤثر في حدة أعراض نزلات البرد، التي غالباً ما تشكل الجانب الأكثر إزعاجاً من المرض. الزنك والمناعة يمكن أن يسهم تناول مكملات الزنك لدى الأشخاص الذين يعانون نقصاً فيه في استعادة الاستجابات المناعية وتقليل علامات الالتهاب. وتقتصر هذه الفوائد إلى حد كبير على الأشخاص المصابين بهذا النقص. في المقابل، لدى الأفراد الذين يتمتعون بمستويات كافية من الزنك، فلا يبدو أن تناول مكملات إضافية يعزز الوظائف المناعية لديهم. وفي واقع الأمر، يمكن أن يؤدي الإفراط في استهلاك الزنك إلى نتيجة عكسية تتمثل في تثبيط المناعة. وبعبارة أخرى، يساعد الزنك الجهاز المناعي على العمل بصورة سليمة عند افتقار الجسم إليه، ولكنه لا “يعززه” بما يتجاوز مستواه الطبيعي. الزنك وخصوبة الرجال غالباً ما يروج للزنك بين الرجال بوصفه معززاً للخصوبة، وذلك بالاستناد إلى دوره في تطور الحيوانات المنوية وتنظيم الهرمونات. ودعماً لهذا التوجه، وجدت بعض الدراسات أن مستويات الزنك في السائل المنوي تميل إلى الانخفاض لدى الرجال المصابين بالعقم. وأشارت دراسات أقدم إلى إمكانية حدوث تحسن في جودة الحيوانات المنوية عند تناول المكملات. إذ أوضحت أن تناول مكملات الزنك يمكن أن يزيد حجم السائل المنوي وحركة الحيوانات المنوية وعدد الحيوانات المنوية ذات الشكل والبنية الطبيعيين. قد يظن كثيرون أن قرصاً بسيطاً من الزنك يشكل حلاً سريعاً لكل شيء، من نزلات البرد الشائعة إلى ضعف المناعة، وحتى مشكلات الخصوبة لدى الرجال (غيتي /أيستوك) ومع ذلك، خلصت تجربة عشوائية منضبطة واسعة النطاق وأكثر حداثة شملت أكثر من ألفي زوج يخضعون لعلاج العقم، إلى أن تناول الزنك (30 ميلليغراماً) مع حمض الفوليك (خمسة ميلليغرامات) يومياً لمدة ستة أشهر لم يحسن من معدلات المواليد الأحياء أو جودة السائل المنوي مقارنة بتناول الدواء الوهمي. ويعزى ذلك إلى أن الخصوبة تتأثر بعوامل عديدة، بما في ذلك العمر والتدخين واستهلاك الكحول والسمنة والحالات الطبية الكامنة، ولا يمثل الزنك سوى جزء صغير من هذه الصورة الشاملة. تفاعلات الزنك وتركيباته تتوفر مكملات الزنك في صور عدة، من بينها الزنك المخلب بالأحماض الأمينية وغلوكونات الزنك. وتؤثر هذه الاختلافات أساساً في معدل الامتصاص وقابلية التحمل، إلا أن مقدار عنصر الزنك في القرص العادي أو قرص الاستحلاب يبقى هو الأهم. وقد يتفاعل الزنك مع أدوية معينة، بما في ذلك بعض المضادات الحيوية (مثل الدوكسيسيكلين والسيبروفلوكساسين) ومدرات البول (التي تستخدم للتخلص من السوائل الزائدة أو خفض ضغط الدم مثل الهيدروكلوروثيازيد). الأمر الذي من شأنه أن يقلل من امتصاص الدواء أو تغير من التوازن المعدني في الجسم. ولهذا السبب تحديداً، يحظى التوقيت والجرعة بأهمية بالغة، لا سيما للأشخاص الذين يتناولون أدوية بانتظام. هل يمكن الإفراط في تناول الزنك؟ نعم، ولكن زيادة الجرعة لا تعني بالضرورة مضاعفة الفائدة. إذ تبلع الحصة الغذائية الموصى بها حوالى ثمانية ميلليغرامات من عنصر الزنك يومياً للنساء و14 ميلليغراماً يومياً للرجال، وهو ما يمكن تحقيقه عادة من خلال النظام الغذائي وحده. وغالباً ما تكون الجرعات الموجودة في المكملات أعلى بكثير من ذلك. لذا، إذا اشتريت أقراص استحلاب للمساعدة على تخفيف التهاب الحلق، فتحقق من كمية الزنك التي تحتوي عليها. ويمكن أن يعوق الاستهلاك المفرط الطويل الأمد امتصاص النحاس، مما يؤدي إلى نقصه، وهو ما قد يتسبب في الإصابة بفقر الدم ومشكلات عصبية وضعف المناعة على نحو متناقض. فضلاً عن ذلك، تشمل الآثار الجانبية القصيرة الأمد الغثيان وآلام البطن والقيء والإحساس بطعم معدني. وعليه، يبلغ الحد الأقصى الآمن للبالغين حوالى 40 ميلليغراماً من عنصر الزنك يومياً من جميع المصادر، ما لم يكن ذلك تحت إشراف طبي. إذن، هل ينبغي لك تناول الزنك؟ بالنسبة إلى معظم الأشخاص الذين يتبعون نظاماً غذائياً متوازناً، من غير المرجح أن تقي مكملات الزنك من الإصابة بنزلات البرد أو تعزز المناعة بصورة ملحوظة أو تحسن الخصوبة بدرجة مجدية. أما الفائدة الحقيقية لمكملات الزنك فتكمن في حالات النقص المؤكد، أو لدى الأشخاص الذين يعانون حالات صحية تقلل من امتصاص العناصر الغذائية. أما في ما يتعلق بنزلات البرد، فقد تقلص أقراص الاستحلاب المحتوية على الزنك من مدة الإصابة بها بصورة طفيفة في حال تناولها مبكراً، إلا أن فوائدها غير متسقة وآثارها الجانبية شائعة. وختاماً، إذا كنت تفكر في تناول مكملات الزنك، فاستشر طبيباً عاماً وصيدلانياً وأخصائي تغذية قبل كل شيء. إذ يمكن لفحص دم بسيط ومراجعة نظامك الغذائي المساعدة في تحديد ما إذا كانت هناك حاجة فعلية لتناول المكملات. جاك يانيتسكي هو محاضر في الصيدلة وعلم الأدوية بجامعة أديلايد، أستراليا. نُشرت هذه المقالة في الأصل على موقع “كونفرسيشن” وأُعيد نشرها بموجب ترخيص “كرييتف كومنز”. رابط المقالة الأصلية.