هل تتذكر تلك الرائحة المميزة لأجهزة التلفاز القديمة وضجيج محولات الكهرباء الضخمة ذات اللون الأسود؟ أو تلك اللحظات المشحونة بالحماس وأنت تحاول النفخ في فتحة الشريط بجهدٍ جهيد ليعمل؟ في ثمانينات القرن الماضي، لم تكن ألعاب الفيديو مجرد تسلية عابرة، بل كانت حدثاً اجتماعياً وثقافياً بارزاً غيّر شكل الترفيه المنزلي في المملكة العربية السعودية، وصنع ذكريات لا تمحوها السنون. بين الشاشات الملونة الكبيرة التي بدأت تغزو البيوت، وجهاز “صخر” العربي، و”كمبيوتر العائلة” الساحر، تشكلت طفولة جيل كامل. ولكن، كيف كانت تدار هذه الهواية ماديّاً واجتماعياً في زمن لم يكن فيه إنترنت ولا تحميل رقمي؟ دعونا نعود بالذاكرة إلى الوراء لنستعرض أسعار تلك الحقبة، ونستكشف كواليس تلك الأيام الجميلة. صخر والعائلة: استثمار عائلي ثقيل الوزن لم يكن امتلاك جهاز ألعاب فيديو في الثمانينات أمراً سهلاً أو رخيصاً؛ بل كان يُنظر إليه كاستثمار عائلي كبير مخصص للمناسبات السعيدة مثل النجاح بتفوق في المدرسة أو هدايا الأعياد. انقسمت البيوت السعودية حينها بين معسكرين رئيسيين: 1. جهاز صخر (MSX): بوابة المستقبل والتعليم كان جهاز “صخر” أكثر من مجرد منصة ألعاب؛ لقد كان كمبيوتراً متكاملاً يُقنع الآباء بشرائه لدوافع تعليمية وتطويرية. تراوحت أسعار أجهزة صخر بين 800 إلى 1,200 ريال سعودي، وتفاوت السعر بناءً على الموديل (مثل الموديل الشهير AX-170 أو الأكثر تطوراً AX-230 الذي احتوى على فتحتين للأشرطة)، وما إذا كان الجهاز يأتي مرفقاً بالبرامج التعليمية وأشرطة تعليم البرمجة بلغة “بيسيك” واللغة العربية. 2. كمبيوتر العائلة الأصلي (Nintendo/Famicom) الجهاز الياباني ذو اللونين الأبيض والأحمر الشهير، والذي أطلق شرارة الشغف الحقيقي بالألعاب النقيّة دون فلسفة تعليمية. كان الجهاز الأصلي يُباع بسعر يتراوح بين 350 إلى 500 ريال سعودي. ومع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بدأت تظهر النسخ المقلدة والتجارية (مثل الأجهزة التي تأتي على شكل مسدس أو سيارة) بأسعار اقتصادية جداً تفاوتت بين 100 إلى 150 ريالاً، مما أتاح لكل بيت تقريباً دخول هذا العالم السحري. سوق الأشرطة: بين جودة الأصلي وحيلة “الكوكتيل” عندما يتعلق الأمر بشراء الألعاب، كانت الميزانية المرصودة من الوالدين هي الحاكم والمسيطر، حيث انقسم سوق الأشرطة إلى فئتين واضحتين: الأشرطة الأصلية: كانت بمثابة قطع أثرية ثمينة تحاط بعناية فائقة، حيث تراوح سعر الشريط الواحد بين 150 إلى 250 ريال سعودي. بمقاييس تلك الفترة، كان هذا المبلغ يمثل جزءاً كبيراً من الرواتب، ولا يستطيع المغامر الصغير اقتناءه إلا في حالات نادرة جداً، وعادة ما يأتي ببوستر داخلي وكُتيب تعليمات ملون. الأشرطة المقلدة (التجارية): كانت المنقذ الحقيقي لجيوب أولياء الأمور، بأسعار تتراوح بين 30 إلى 70 ريال سعودي. ولم تقتصر ميزتها على السعر الفردي فحسب، بل اشتهرت بأشرطة “الكوكتيل” المجمعة التي تحمل شعارات رنانة مثل (4 في 1) أو حتى (100 في 1). ورغم أن معظم تلك الألعاب كانت مكررة بأسماء وألوان مختلفة، إلا أنها كانت تمنح الطفل شعوراً وثراءً لا يوصف. كواليس “حرب الشوارع”: كيف كانت تُسمى الألعاب في الحارة؟ لم تكن الأسماء الإنجليزية الرسمية للألعاب تعني شيئاً لأطفال الثمانينات في السعودية؛ بل ابتكر الجيل “موسوعة مصطلحات شعبية” خاصة به لتسمية الألعاب بناءً على رسوم الغلاف أو بطل اللعبة. لعبة Super Mario Bros تحولت ببساطة إلى “لعبة السباك” أو “شارلي”، ولعبة Circus Charlie عُرفت بـ “لعبة السيرك الأسد”، بينما سُميت لعبة Contra الشهيرة بـ “لعبة رامبو” أو “حرب الشوارع”. أما على جهاز صخر، فكانت لعبة Knightmare الأسطورية تُعرف باسم “لعبة المظلي” أو “أبو سهم”، ولعبة The Castle سُميت “لعبة القلعة والمفاتيح”. هذه التسميات العفوية كانت لغة التخاطب الرسمية والوحيدة داخل محلات الألعاب والمدارس! ثقافة “التبادل والتأجير”: عبقرية اقتصادية ولدت من الحاجة بسبب الارتفاع النسبي لأسعار الشراء، ولأن اللعبة بمجرد إنهاء مراحلها تفقد بريقها، ابتكرت المحلات التجارية والشباب في ذلك الوقت نظاماً اقتصادياً ذكياً جداً قام على فكرتين: أولاً: التأجير اليومي بدلاً من دفع مئات الريالات لشراء لعبة، كان بإمكانك الذهاب إلى محل الألعاب القريب من المنزل وتأجير الشريط المفضّل لديك لمدة يوم أو يومين. كانت تكلفة التأجير اليومي تتراوح بين 5 إلى 10 ريالات فقط. كانت هذه الفكرة مثالية لتمضية عطلة نهاية الأسبوع في منافسات ساخنة مع أبناء الحارة أو الأقارب، شريطة أن تعيد الشريط في الموعد المحدد قبل أن يتصل صاحب المحل بوالدك! ثانياً: نظام التبادل (المقايضة) هذا النظام كان يمثل ذروة الذكاء التجاري والاجتماعي؛ فإذا مللت من الشريط الذي تملكه وتعرف أنك لن تلعبه مجدداً، تأخذه وتتجه إلى المحل، لتعيد الشريط القديم وتختار شريطاً آخر مكانه من الرفوف. كل ما عليك فعله هو دفع فارق استخدام يتراوح بين 10 إلى 20 ريالاً فقط. هذا النظام جعل الألعاب متجددة باستمرار بين أيدي الأطفال وبأقل التكاليف الممكنة. طقوس يوم الخميس: المحل بوصفه نادياً اجتماعياً لم يكن محل الألعاب في الثمانينات مجرد دكان جامد للبيع والشراء، بل كان أشبه بـ “النادي الثقافي الترفيهي” الصغير للحارة. كان يوم الخميس (عطلة نهاية الأسبوع آنذاك) يشهد استنفاراً كبيراً؛ حيث يتجمع الأطفال والشباب في المحل يتأملون الرفوف الخشبية، ويتبادلون النصائح “السرية” حول كيفية هزيمة “الوحش الأخير”، أو فتح المراحل المخفية. في ذلك المكان، ولدت شائعات الألعاب الشهيرة التي صدقها الجميع لسنوات (مثل وجود مرحلة سرية طائرة لماريو)، وهناك أيضاً تعلم الأطفال مبادئ التفاوض والمقايضة، والالتزام بالوقت لإعادة الأشرطة المؤجرة حتى لا يضيع “الرهن” (والذي كان غالباً بطاقة الأحوال الخاصة بالأخ الأكبر أو مبلغاً تأمينياً نقداً). ذكريات من جيل الطيبين “النفخ في الشريط” لم يكن مجرد حركة عفوية، بل كان بروتوكولاً علمياً غير مكتوب يعتقد كل طفل أنه سيزيل الغبار عن النحاس الأصفر داخل الشريط ويعيد الحياة للعبة المعطلة. وعندما تظهر الشاشة الزرقاء أو يرتجف خط الصورة، تبدأ عملية المحاولات بإعادة إدخال الشريط وضغطه لأسفل برفق لعل وعسى! تبقى فترة الثمانينات في السعودية واحدة من أثرى الفترات التي صاغت الهوية الترفيهية لجيل كامل؛ جيل لم تكن تبهره جودة الرسوم “الغرافيكس” بقدر ما كانت تبهر عقولهم تلك البكسلات البسيطة والألحان الحماسية الثنائية النغمات. لقد تعلموا قيمة الأشياء بفضل تلك الريالات القليلة التي كانوا يجمعونها بجد من مصروفهم اليومي، ليعودوا في المساء حاملين شريطاً يفتح لهم أبواباً من الخيال المتجدد واللامحدود. للمزيد من الغوص في ذكريات تلك الحقبة إليكم مقالنا عادات في ألعاب الفيديو لن يفهمها إلا جيل الطيبين. كاتب أعشق ألعاب الفيديو منذ أيام جهاز العائلة، و أفضل ألعاب المغامرات أمثال Tomb Raider و Assassins Creed (قبل التحول للـRPG)، ليس لدي تحيز لأي جهاز منزلي بالنسبة لي الأفضل هو الذي يقدم الألعاب الأكثر تميزاً. ما يهمني هو التجارب ذات السرد القصصي المشوق فالقصة هي أساس المتعة أكثر من الجيمبلاي.