في مثل هذا اليوم من عام 1925، قبل 101 عام بالضبط، استيقظت المكتبات الألمانية على صدور كتاب سيغير مجرى التاريخ الحديث، ليتحول إلى إحدى أكثر الأدوات الدعائية رعباً وإثارةً للجدل في القرن العشرين. إنه كتاب «كفاحي» للزعيم النازي أدولف هتلر. الكتاب الذي تجاوزت مبيعاته لاحقاً حاجز 12 مليون نسخة، لم يبدأ عملاً أدبياً عادياً، بل وُلد خلف قضبان السجن، وباسمٍ أصلي غريب وصادم رفضه الناشر على الفور. من زنزانة السجن بدأت الحكاية وُلدت فكرة الكتاب من رحم الفشل السياسي، ففي نوفمبر 1923، قاد هتلر محاولة انقلابية فاشلة عُرفت باسم «انقلاب بافاريا»، مستغلاً الأوضاع الاقتصادية الطاحنة والتضخم الهائل الذي عاشته ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وقسوة معاهدة فرساي. فشلت المحاولة، وأُلقي القبض على هتلر، لكن المحاكمة العلنية منحته شهرة واسعة. وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات في سجن «لندسبرغ»، وهناك، خلال فترة سجنه عام 1924، بدأ يملي أفكاره وسيرته الذاتية على مساعده المقرب رودولف هيس، الذي تولى كتابة المخطوطة وصياغة الأيديولوجية النازية. وعندما انتهى هتلر من صياغة مخطوطته، اختار لها عنواناً طويلاً وغريباً، ينضح بالهجوم، هو: «أربع سنوات من الكفاح ضد الأكاذيب والحماقة والجبن». صدم العنوان الناشر، الذي وجده طويلاً جداً ومعقداً، وقد ينفر القراء. وبعد نقاشات مع هتلر، أُقنع باختصار العنوان إلى الاسم الذي هز العالم لاحقاً: «كفاحي». قفزة المبيعات في السنوات الأولى، لم يحظَ الكتاب باهتمام يُذكر، واقتصر اقتناؤه على المتطرفين من مؤيدي الحزب النازي. لكن التحول الكبير جاء عام 1933، عندما وصل هتلر إلى منصب مستشار ألمانيا، ليتحول الكتاب إلى ما يشبه الفرض القومي. هدايا الزفاف: أصبحت السلطات الألمانية تمنح نسخة من «كفاحي» مجاناً لكل زوجين جديدين، وأصبح يُسلَّم إليهما بصورة إلزامية. المدارس والمصانع: شجع معلمو منظمة «شباب هتلر» الأطفال على قراءة الكتاب، كما وُزع مجاناً على موظفي الدولة وأصحاب المصانع بوصفه رمزاً للولاء للنظام. ولم يتوقف انتشار الكتاب عند حدود ألمانيا، بل تُرجم إلى الإنجليزية عام 1933، وحرص هتلر على إهداء نسخ فاخرة منه إلى حلفائه، مثل الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني، والجنرال الإسباني فرانسيسكو فرانكو. وبعد انتحار هتلر عام 1945، وانتهاء الحرب العالمية الثانية، انتقلت حقوق نشر الكتاب إلى ولاية بافاريا الألمانية، التي حظرت طباعته طوال 70 عاماً. ومع نهاية عام 2015، انتهت الحماية القانونية لحقوق النشر، ليدخل الكتاب ضمن الملكية العامة، معيداً فتح السجالات والنقاشات التاريخية والفكرية حول كيف يمكن لكتاب كُتب داخل زنزانة أن يحرك جيوشاً ويسهم في تدمير قارة بأكملها.