تابع قناة عكاظ على الواتساب كان المثقف في زمنٍ مضى يحتل مساحة أكبر من حجمه الحقيقي، لا لأنه الأكثر معرفة بالضرورة، ولا لأنه الأقدر على إنتاج الحلول، بل لأن المجتمع كان محدود المصادر، وكانت المنابر قليلة، وكانت المعلومة تمر من بوابات ضيقة، ومن يملك المنبر يملك حق التفسير، ومن يملك حق التفسير يقترب من سلطة التوجيه، حتى نشأ نموذج المثقف الذي لا يكتفي بأن يقول رأيه، بل يتحدث كأنه الناطق باسم المجتمع، والمفسر الوحيد لتحولاته، وصاحب الحق في تحديد ما ينبغي أن تفعله الدولة، وما يجب أن يقبله الناس، وما عليهم أن يرفضوه. ذلك الزمن انتهى، وانتهى معه الامتياز الذي عاش عليه بعض المثقفين طويلاً، فالسعودية اليوم لا تبحث عمّن يشرح لها كيف تفكر، ولا تنتظر من أحد أن يرسم لها الطريق من مقعده، لأنها أصبحت دولة تعرف ما تريد، وتملك أدواتها، وتبني قراراتها على المؤسسات، والبيانات، والخبرة، والقياس، ولم يعد الخطاب مهما بدا لامعاً قادراً على منافسة مشروع ينجز، أو دراسة تحلل، أو تخصص يقدم حلاً قابلاً للتطبيق. التحول هنا ليس عداءً للثقافة، ولا تقليلاً من قيمة المثقف الحقيقي، بل نهاية لوظيفة الوصاية التي تسللت إلى المشهد الثقافي تحت مسميات كثيرة، فالمشكلة لم تكن يوماً في من يفكر، بل في من يظن أن تفكيره يمنحه سلطة على الآخرين، ولم تكن في من يكتب، بل في من يتعامل مع الكتابة باعتبارها تفويضاً دائماً لتوجيه الدولة والمجتمع، حتى بدا بعضهم وكأن وجوده ضرورة، وأن غيابه فراغ، وأن رأيه ليس رأياً بين آراء، بل ميزاناً تقاس به المراحل. اليوم تغيّر السؤال كله، فلم يعد أحد يسأل: من قال؟ بل: ماذا قدم؟ ولم تعد الأسماء الكبيرة تكفي وحدها لصناعة التأثير، لأن القيمة انتقلت من شهرة المتحدث إلى كفاءة الفكرة، ومن بريق العبارة إلى قوة النتيجة، ومن الحضور الإعلامي إلى الأثر الذي يمكن قياسه، وهذا هو السبب الحقيقي في تراجع أسماء كثيرة كانت تملأ الشاشات والصفحات، ثم اختفت من المشهد من دون قرار يمنعها، ومن دون خصومة تخرجها، لأنها ببساطة فقدت الوظيفة التي صنعت حضورها. بعض الأسماء القديمة لم تختف لأنها تعرضت للإقصاء، بل لأنها لم تدرك أن الأدوات تغيرت، وأن المجتمع الذي كانت تخاطبه لم يعد هو المجتمع نفسه، وأن الدولة التي كانت تحاول أن تلقنها لم تعد تنتظر منها الوصفة، وأن الناس الذين كانوا يتلقون الرأي من نافذة واحدة أصبحوا أمام آلاف المصادر، وأن المعرفة لم تعد حكراً على الكاتب، ولا الدراسة حكراً على الأكاديمي، ولا التحليل حكراً على من يجيد الحديث الطويل، فحين تتسع مصادر المعرفة تضيق مساحة الوصاية، وحين تتقدم المؤسسات يتراجع نفوذ الفرد الذي بنى مكانته على احتكار التفسير. السعودية الجديدة لا تعادي المثقف، لكنها لا تمنحه مكانة لمجرد أنه مثقف، ولا تعتبر المقال مشروعاً، ولا تعتبر الخطابة إنجازاً، ولا تضع صاحب اللغة في مرتبة صاحب النتيجة، فهي تبحث عن خبير يقرأ الأرقام، وباحث يفهم المتغيرات، ومختص يعرف أين الخلل، وقائد مشروع يحول الفكرة إلى واقع، وهذا لا يعني أن الكلمة فقدت قيمتها، بل يعني أن الكلمة أصبحت مطالبة بأن تثبت صلتها بالواقع، وأن تقدم معرفة، وأن تفتح مساراً، وأن تساعد على الفهم، لا أن تكتفي باستعراض صاحبها. لقد انتقل مركز الثقل من سلطة الخطاب إلى سلطة الكفاءة، وهذا التحول أعمق من أن يكون مجرد تغيير في الذائقة، لأنه يعيد ترتيب مكانة الناس داخل المجال العام، فالمكانة لم تعد تُمنح لمن يتحدث أكثر، بل لمن يعرف أكثر، ولا لمن يعترض بصوت أعلى، بل لمن يقدم بديلاً أفضل، ولا لمن يصنع انطباعاً، بل لمن يصنع أثراً، ولهذا فإن بعض المثقفين الذين عاشوا طويلاً على مهاجمة القرارات وتفسير المجتمع وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد لا يكافئ الضجيج، ولا يمنح الأفضلية لمن يصف المشكلة من بعيد. الفرق بين المثقف الوصي والخبير واضح، فالمثقف الوصي يطلب منك أن تصدقه لأنه يرى ما لا تراه، أما الخبير فيضع أمامك ما يمكن اختباره، والمثقف الوصي يدافع عن مكانته، أما الباحث فيدافع عن منهجه، والمثقف الوصي يحتاج إلى جمهور يؤمن به، أما المختص فيحتاج إلى نتيجة تؤكد كفاءته، ولذلك فإن الزمن الجديد لا يلغي الفكر، بل يحرره من سلطة الأشخاص، ولا يلغي الثقافة، بل يعيدها إلى وظيفتها الطبيعية، أداة للفهم، والنقد، وتوسيع الوعي، لا منصة لمنح الأوامر. الدولة الحديثة لا تبني مستقبلها بالمقولات الكبرى، ولا تدير ملفاتها بمزاج كاتب، ولا تغيّر سياساتها لأن صوتاً ارتفع، بل تعتمد على أجهزة، وفرق عمل، ومراكز بحث، وخبرات متخصصة، ومؤشرات تقيس النجاح والفشل، وعندما تصبح المعرفة عملاً مؤسسياً لا بطولة فردية، يسقط تلقائياً الوهم القديم الذي يجعل المثقف فوق المجتمع، وتتحول قيمته من كونه وصياً على الوعي إلى كونه مساهماً في إنتاجه. لهذا، فإن غياب كثير من الأسماء عن المشهد ليس لغزاً، ولا مؤامرة، ولا خصومة مع الثقافة، بل نتيجة طبيعية لانتهاء صلاحية الدور الذي أدته، فبعضها لم يختف لأن الناس تغيرت عليه، بل لأنه لم يتغير معهم، وبعضهم لم يخسر حضوره لأن المنابر ضاقت، بل لأن المجتمع اتسع، وبعضهم لم يفقد تأثيره لأن الدولة تجاهلته، بل لأن الدولة لم تعد تحتاج إلى من يشرح لها نفسها. السعودية اليوم لا تبحث عن مثقف يرفع إصبعه في وجهها، بل عن عقل يضيف، ولا عن اسم يملأ المشهد، بل عن كفاءة تملأ الفراغ، ولا عن خطاب يصف المستقبل، بل عن عمل يصنعه، وهنا يكمن التحول الحقيقي، فالمثقف الذي يفهم عصره سيجد مكانه، والمثقف الذي يراجع أدواته سيبقى، والمثقف الذي يتحول من واعظ إلى باحث، ومن وصي إلى شريك، ومن نجم إلى منتج معرفة، لن يخاف من المرحلة الجديدة. أما من لا يزال يعتقد أن المجتمع ينتظر وصايته، وأن الدولة تحتاج إلى حكمته، وأن المنبر يمنحه سلطة، فسيكتشف متأخراً أن المشكلة ليست في تراجع الثقافة، بل في تقدّم الكفاءة. نقطة آخر السطر: لم ينته زمن المثقف، الذي انتهى هو زمن المثقف الذي ظن أن الكلام يمنحه حق الوصاية، فالدول لا يقودها من يصف الطريق، بل من يعرف كيف يبنيه.