تابع قناة عكاظ على الواتساب يمثل قرار إسناد وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى الأمير عبدالعزيز بن سلمان، إلى جانب وزارة الطاقة، أكثر من مجرد تعديل وزاري. إنه إعلان بأن المملكة تنظر إلى الصناعة بوصفها المرحلة التالية في قصة التحول الاقتصادي، وأن الطاقة لم تعد غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لبناء اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة. لكن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بعدد المبادرات الجديدة، بل بقدرتها على مراجعة السياسات القائمة بشجاعة. فالصناعة السعودية لا تعاني اليوم من نقص في الإستراتيجيات أو الخطط، وإنما من فجوة بين الطموح والتنفيذ. أقول ذلك وأنا أستحضر موقفاً شخصياً لا يزال عالقاً في ذاكرتي. قبل خمسة عشر عاماً، عندما كنت رئيس اللجنة الصناعية بغرفة الشرقية، تلقيت اتصالاً من الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وكان آنذاك مسؤولاً في وزارة البترول. سألني بكل تواضع: كيف تنظمون ملتقى صناعياً دون إشراك الوزارة أو حتى دعوتها؟ اعتذرت له معترفاً بالتقصير، لكن ما بقي في ذهني لم يكن السؤال، بل أسلوبه. قائد يختار الحوار قبل اللوم، والاستماع قبل إصدار الأحكام. لذلك أجد من واجبي أن أطرح أمامه ما أعتقد أنه يمثل أولويات المرحلة المقبلة. أولى هذه الأولويات هي إعادة تعريف دور صندوق التنمية الصناعي. الصندوق الذي كان يوماً شريكاً في بناء الصناعة الوطنية أصبح، في نظر كثير من المستثمرين، أقرب إلى بنك تجاري شديد التحفظ. وإذا تحول الممول التنموي إلى مؤسسة لا تختلف في فلسفتها عن البنوك، فمن سيقبل تمويل المخاطرة الصناعية التي تحتاجها المملكة؟ أما هيئة المحتوى المحلي، فرغم نجاحاتها الواضحة، فإن أثرها لا يزال يتركز على الحلقة الأخيرة من سلسلة القيمة، بينما الموردون المحليون الذين يغذون تلك المصانع لا يحصلون على الحوافز ذاتها. والمحتوى المحلي الحقيقي لا يبدأ عند المصنع النهائي، بل عند أول قطعة تدخل في عملية الإنتاج. كما أن تضخم الاستعانة بالجهات الاستشارية الخارجية في بعض الجهات التابعة للوزارة خلق تكلفة إضافية يدفعها المستثمر، في وقت تتنافس فيه المملكة مع دول تسابق الزمن لتقليل الأعباء على الصناعة لا زيادتها. وهناك أيضاً ملفات تحتاج إلى مراجعة صريحة، من الرسوم الجمركية في ظل التزامات منظمة التجارة العالمية التي لم تعد تُطبِّقها كثيرٌ من الدول الأعضاء، إلى برامج هيئة تنمية الصادرات التي تبدو أكثر تعقيداً من أن تستفيد منها المنشآت الصناعية المتوسطة والصغيرة، مروراً بالإستراتيجية الوطنية للصناعة التي تستحق تقييماً شفافاً: ماذا تحقق؟ وما الذي تعثر؟ وما الذي يجب أن يتغير؟ ثم تأتي المشاريع العملاقة لرؤية 2030، وهي ربما أكبر فرصة صناعية في تاريخ المملكة. السؤال لم يعد: كم سننفق؟ بل، كم منتجاً سعودياً ستولده هذه المشاريع؟ وكم مصنعاً وطنياً سينمو بفضلها؟ فإذا لم تتحول هذه المشروعات إلى محرك لبناء سلاسل إمداد وطنية، فإننا سنكون قد فوتنا فرصة قد لا تتكرر. قبل خمسين عاماً، كان مركز الأبحاث والتنمية الصناعية يرسل خبراء إلى المصانع، يعملون معها وجهاً لوجه لحل المشكلات ورفع الكفاءة. ربما نحتاج اليوم إلى استعادة تلك الفلسفة، ولكن بأدوات العصر.. فرق مستقلة تنزل إلى أرض المصنع، تستمع، وتقيس، وتقترح، بعيداً عن التقارير المكتبية. الصناعة السعودية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مراجعة صادقة للسياسات التي لم تعد تحقق أهدافها. وإذا كان هناك مسؤول قادر على قيادة هذه المراجعة دون حساسية فالأمير عبدالعزيز بن سلمان، بما عرف عنه من معرفة عميقة بالقطاع، وقدرة على الاستماع، وشجاعة في اتخاذ القرار، هو الأمل الذي نحلم به. فالمرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة إدارة الصناعة، بل إعادة اكتشافها.