هناك أعمال قديمة نشاهدها اليوم بدافع الفضول، فنستمتع بها مع شيء من التسامح تجاه عمرها وتقنياتها. وهناك أعمال أخرى تشعرك بأنها سبقت زمنها، وأن الأسئلة التي طرحتها قبل عقود أصبحت أكثر قربًا من حياتنا الآن. ينتمي Neon Genesis Evangelion بوضوح إلى النوع الثاني. عُرض المسلسل للمرة الأولى عام 1995، ويتكون من 26 حلقة تدور ظاهريًا حول مجموعة من المراهقين يقودون وحدات عملاقة لمواجهة كائنات غامضة تُعرف باسم الملائكة. هذه المقدمة توحي بأننا أمام أنمي حركة تقليدي، لكن Evangelion لا يستغرق طويلًا قبل أن يكشف أن المعارك ليست سوى الطبقة الخارجية لقصة أكثر قسوة وتعقيدًا. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على ظهوره، ما زال العمل قادرًا على إثارة النقاش، وإرباك المشاهدين، ودفع كثيرين إلى العودة إليه مرة ثانية لفهم ما فاتهم في المشاهدة الأولى. فما الذي يجعل هذا المسلسل القديم جديرًا بوقتك اليوم؟ المقال مقسم وفقًا للفهرس التالي: الجزء الأول: ( الذي تقرأه الآن) لماذا لا يزال Neon Genesis Evangelion يستحق المشاهدة بعد 30 عامًا؟ وهي: لا تنخدع بالروبوتات العملاقة. أبطال لا يريدون أن يكونوا أبطالًا. لأنه يفهم الوحدة بطريقة مؤلمة. العمل لا يمنحك إجابات سهلة. الجزء الثاني: لماذا لا يزال Neon Genesis Evangelion يستحق المشاهدة بعد 30 عامًا؟ وهي: الإخراج يحول القيود إلى قوة. موسيقاه ما زالت حاضرة في ثقافة الأنمي. نهايته ليست خطأ يجب تجاوزه. باب أوسع لمن يريد الاستمرار. لا تنخدع بالروبوتات العملاقة من السهل تسويق Evangelion باعتباره قصة عن روبوتات تقاتل وحوشًا ضخمة، خصوصًا أن الحلقات الأولى تقدم معارك مثيرة وتصميمات لا تزال مميزة حتى اليوم. لكن وحدات EVA ليست مجرد آلات متطورة يقودها الأبطال، والمسلسل نفسه ليس مهتمًا كثيرًا بفكرة إنقاذ العالم بالطريقة البطولية المعتادة. تتحول كل مواجهة تدريجيًا إلى اختبار نفسي للشخصية الموجودة داخل قمرة القيادة. لا يسأل العمل فقط إن كان شينجي قادرًا على الانتصار، بل يسأل لماذا وافق أصلًا على القتال، وما الذي ينتظره بعد انتهاء المعركة، وهل يخوض هذه المخاطر لأنه يريد حماية الآخرين، أم لأنه يبحث عن كلمة قبول من والده؟ هذه الزاوية هي التي جعلت Evangelion مختلفًا داخل أعمال الـMecha. فقد جمع بين الأسلحة والتقنيات العسكرية وبين الغموض والرعب والأسئلة الوجودية، ثم جعل العلاقة بين الإنسان والآلة أكثر تعقيدًا من كونها علاقة قائد بمركبته. وحدات EVA ليست دروعًا تحمي الشخصيات من العالم، بل مرايا تكشف كل ما تحاول إخفاءه. أبطال لا يريدون أن يكونوا أبطالًا شينجي إيكاري ليس الشخصية الرئيسية التي يتوقعها البعض من أنمي قتالي. إنه متردد، خائف، يهرب أحيانًا، ويتخذ قرارات قد تثير غضب المشاهد. لكنه لهذا السبب تحديدًا يبدو إنسانيًا. فهو فتى لم يحصل على حياة طبيعية ثم يُطلب منه فجأة تحمّل مسؤولية نجاة البشرية. الكبار المحيطون به لا يمنحونه إجابات صريحة، ووالده الذي ابتعد عنه سنوات لا يستدعيه بدافع الاشتياق، بل لأنه يحتاج إليه داخل مشروع عسكري خطير. من الظلم مطالبة شخصية بهذه الظروف بأن تتصرف مثل بطل شجاع لا يعرف الخوف. ولا يقتصر هذا العمق على شينجي. أسوكا تبدو واثقة وصاخبة، لكنها تبني معظم شخصيتها حول حاجتها إلى التفوق وإثبات قيمتها. أما ري فتبدو هادئة ومنفصلة عن العالم، قبل أن نكتشف تدريجيًا أن صمتها يخفي أسئلة مرعبة حول الهوية والوجود. حتى الشخصيات البالغة مثل ميساتو وريتسوكو وغيندو تحمل تناقضاتها وأخطاءها القديمة. لا يقدم Evangelion شخصيات مصممة لتكون محبوبة طوال الوقت، بل يقدم أشخاصًا يريدون الاقتراب من الآخرين، لكنهم يخافون الألم الذي قد ينتج عن هذا الاقتراب. لأنه يفهم الوحدة بطريقة مؤلمة رغم أن العالم في المسلسل يواجه تهديدًا قد يؤدي إلى فنائه، فإن الخطر الأكثر حضورًا ليس الملائكة، بل العجز عن التواصل. تعيش الشخصيات في المكان نفسه، تعمل معًا، وتتشارك الطعام والمهمات، ومع ذلك يبدو كل واحد منها محاصرًا داخل عالمه الخاص. عندما تحاول شخصية التعبير عن خوفها، تختار كلمات خاطئة. وعندما تحتاج إلى المساعدة، تتصرف بطريقة تدفع الآخرين بعيدًا. الجميع يريد الحب والقبول، لكن القليل منهم يعرف كيف يطلبهما. هذه الفكرة تجعل المسلسل قريبًا بصورة غريبة من عصرنا الحالي. أصبح التواصل أسرع من أي وقت مضى، لكن كثرة الرسائل والصور لا تعني بالضرورة أن الناس يفهمون بعضهم. يستطيع الإنسان أن يكون حاضرًا طوال اليوم على الإنترنت ويظل عاجزًا عن قول ما يشعر به فعلًا. Evangelion لا يقدم الوحدة كحالة رومانسية أو علامة على تميز صاحبها، بل كألم حقيقي قد يشوه الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه والآخرين. العمل لا يمنحك إجابات سهلة اعتادت بعض الأعمال شرح كل لغز بالتفصيل حتى لا يغادر المشاهد وفي ذهنه أي سؤال. Evangelion يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. توجد مؤسسات سرية، ومخططات تتعلق بمصير البشرية، ورموز دينية وعلمية، ومعلومات تُكشف أحيانًا داخل حوار سريع أو مشهد قصير. لكن المسلسل لا يتوقف كل عدة دقائق ليشرح قاموس عالمه، ولذلك قد تشعر أحيانًا بأن الشخصيات تعرف أكثر مما تعرفه أنت. هذا الغموض قد يكون مزعجًا لمن يريد قصة مباشرة، لكنه جزء أساسي من التجربة. فأنت تشاهد الأحداث غالبًا من موقع شينجي والأطفال الآخرين، وهم كذلك لا يعرفون الحقيقة الكاملة. يتم إرسالهم إلى القتال بينما يحتفظ الكبار بالأسرار، وبالتالي تصبح حيرة المشاهد امتدادًا لحيرة الأبطال. لهذا السبب تختلف تفسيرات Evangelion بين شخص وآخر. يمكن مشاهدته بوصفه قصة خيال علمي، أو دراسة عن الاكتئاب، أو نقدًا لفكرة البطل المراهق، أو حكاية عن الخوف من الرفض والاقتراب من الناس. ولا يلغي أي تفسير منها الآخر. في الختام ... لقد تحدثنا عن أسباب هامة لماذا لا يزال Neon Genesis Evangelion يستحق المشاهدة بعد 30 عامًا؟. ومازال هناك المزيد من الأشرار سوف نتحدث عنهم في المقال التالي قريبًا جدًا. وحتى ذلك الوقت أترككم مع قراءة مقالنا السابق بعنوان “أمور يجب أن تتغير في Boruto: Two Blue Vortex لينجح نجاح باهر“. كاتب محب للألعاب منذ الصغر، وشغوف بمتابعة آخر أخبارها ومستجدات الصناعةـ والكتابة حولها واحدة من أكثر الأشياء التي استمتع بها طوال الوقت.