المسرح لا يحفظ النصوص وحدها، بل يحفظ ذاكرة وطن بأكمله، وعلى خشبته عاشت شخصيات صنعت التاريخ، ومن هنا تأتي سلسلة كنوز المسرح المصري، محاولة لإعادة إحياء هذا التراث الثري، والبحث في كنوزه المنسية، واستعادة الحكايات التي شكلت وجدان أجيال كاملة، لتظل ذاكرة المسرح المصري حية، نابضة، وقادرة على إلهام الحاضر كما ألهمت الماضي. وفي دهاليز التاريخ هناك شخصيات لا يطويها الزمن، لأنها كلما غابت عن صفحات الكتب، عادت لتولد من جديد فوق خشبة المسرح، ولدينا شخصيات تمتلك من الدراما ما يجعلها عصية على النسيان، فتظل تستفز خيال الكُتّاب، وتغري المخرجين، وتمنح الممثلين فرصة نادرة لتجسيد القوة والضعف، المجد والانكسار، الحب والسلطة، والانتصار والمأساة، ومن بين هذه الشخصيات تقف شجرة الدر شامخةً، لا بوصفها أول سلطانة حكمت مصر فحسب، بل باعتبارها واحدة من أكثر الشخصيات التاريخية التي أسرت وجدان المسرح المصري، حتى أعاد تقديمها مراتٍ عديدة، وكأن كل جيل أراد أن يقرأ سيرتها من زاويته الخاصة، وأن يطرح من خلالها أسئلته عن السلطة والمرأة والوطن والمصير. وفي هذه الحلقة من كنوز المسرح المصري نفتح صفحات واحدة من أكثر الحكايات المسرحية ثراءً، لنرصد كيف انتقلت شجرة الدر من كتب التاريخ إلى أضواء المسرح، وكيف تنافست الفرق المسرحية الكبرى على تجسيد سيرتها، لتبقى حاضرة في ذاكرة المسرح المصري كما بقيت حاضرة في ذاكرة الوطن. قدم المسرح المصري الشخصية التاريخية شجرة الدر، أو عصمة الدين أم خليل، وهو اسمها الحقيقي، في نحو خمس مسرحيات حملت جميعها الاسم نفسه، لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات التاريخية حضوراً على خشبات المسرح المصري، وكانت البداية عام 1920، حين قدمتها فرقة أولاد عكاشة على مسرح تياترو حديقة الأزبكية في صيغة أوبرالية من ثلاثة فصول، وجسدت شخصية شجرة الدر الفنانة ألمظ إستاتي، وشاركها البطولة كل من عبد الله عكاشة، وزكي عكاشة، وعبد الحميد عكاشة، ووردة ميليان. كنوز المسرح المصري ولم يكن اختيار شجرة الدر مصادفة؛ فهي تلك الجارية الخوارزمية ذات الأصول الأرمنية التي انتقلت من ظلال الرق إلى قمة السلطة، بعدما أصبحت زوجة السلطان الصالح نجم الدين أيوب، ثم تولت حكم مصر لمدة ثمانين يوماً عقب وفاته، لتصبح أول سلطانة في تاريخ الإسلام، وتمهد الطريق لقيام دولة المماليك، وهذه السيرة الاستثنائية كانت محور العرض الذي قدمته فرقة رمسيس عام 1928 بعنوان (شجرة الدر)، من تأليف محمد بدوي، وإخراج يوسف بك وهبي، وتصميم الديكور لشنشنتي لاين، وقام بالبطولة يوسف وهبي، وزينب صدقي، بمشاركة حسن البارودي وفردوس حسن. وقد ارتبط اسم شجرة الدر بذكاء سياسي لافت، وجمال أخاذ، وشجاعة نادرة تجلت خلال الحملة الصليبية السابعة؛ إذ أخفت نبأ وفاة السلطان الصالح أثناء معركة المنصورة، وأدارت شؤون الدولة، وقادت الجيوش بحكمة واقتدار حتى تحقق النصر، وتم أسر ملك فرنسا لويس التاسع وإجباره على دفع فدية ضخمة مقابل إطلاق سراحه، وفي هذه المرحلة المضيئة من حياتها كانت محور معالجة فرقة فاطمة رشدي، التي قدمت المسرحية عام 1934 بالعنوان نفسه، من تأليف محمد بدوي، وإخراج عزيز عيد، وبطولة فاطمة رشدي، وفؤاد شفيق، وزوز حمدي الحكيم، وعباس فارس. لكن رحلة السلطانة لم تنته عند ذروة المجد، بل اتجهت إلى منعطف مأساوي؛ فقد واجهت رفضاً من الخليفة العباسي في بغداد، ومن الأيوبيين في الشام، لتوليها مقاليد الحكم، الأمر الذي اضطرها إلى التنازل عن العرش بعد نحو ثمانين يوماً، والزواج من الأمير المملوكي عز الدين أيبك، أول سلاطين دولة المماليك، ليحكما البلاد معاً، غير أن الصراع على السلطة كان أقوى من أي تحالف، فانتهت حياتها نهاية مأساوية عام 1257م، حين قُتلت على يد جواري زوجة أيبك الأولى، لتسدل الستارة على واحدة من أكثر الشخصيات النسائية تأثيراً وإثارة في التاريخ المصري. وقد وجد الشعر المسرحي في هذه النهاية مادة ثرية، فكتب عزيز أباظة مسرحيته "شجرة الدر"، التي قدمتها الفرقة المصرية للتمثيل والموسيقى عام 1950، بإخراج فتوح نشاطي، وبطولة أمينة رزق، ومنسي فهمي، وأحمد علام، وعبد العزيز خليل، ولم تتوقف الرحلة عند هذا الحد، إذ أعيد تقديم النص نفسه لاحقاً من خلال الفرقة المصرية الحديثة، بالمؤلف والمخرج نفسيهما، بينما ضمت البطولة أمينة رزق، وأحمد علام، وإحسان شريف، وحمدي غيث، وعبد العليم خطاب، لتؤكد شجرة الدر مرة أخرى أنها لم تكن مجرد شخصية تاريخية، بل كنزاً درامياً ظل المسرح المصري يعود إليه كلما أراد أن يستحضر حكاية امرأة كتبت اسمها في التاريخ بمدادٍ من القوة والدهاء، ثم ختمت حياتها بمأساة تليق بأعظم التراجيديات.