تكبر القرارات حين تتجاوز أصحابها، وتمتد آثارها إلى أشخاص لم يشاركوا في صناعتها، وبين جميع القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته، تبقى القرارات الأسرية الأكثر أثرًا، لأنها لا تغيّر حياة الزوجين وحدهما، بل تعيد تشكيل عالم كامل يعيشه الأبناء، ويستمر معهم سنوات طويلة. فهم أصغر أطراف القرار، وأكبر أمانة يحملها الوالدان.
يبدأ الأبناء حياتهم وهم يرون في الأسرة أول صورة للحياة، وفي اجتماع والديهم أول معنى للأمان، يكبرون وهم يعتقدون أن البيت سيبقى كما عرفوه، وأن الوجوه التي يستيقظون عليها كل صباح ستظل في أماكنها، وأن التفاصيل الصغيرة التي يعيشونها اليوم سترافقهم في الغد كما هي. ولهذا، فإن أول شرخ يصيب العلاقة بين الوالدين لا يمر عليهم كحدث عابر، بل يفتح أبوابًا واسعة من الأسئلة التي يصعب على أعمارهم الصغيرة أن تجد لها إجابات.
ومع تصاعد الخلافات، يعيش الابن تفاصيل لا يدرك الكبار أحيانًا حجم أثرها، يسمع ارتفاع الأصوات، ويرى المسافات تكبر بين والديه، ويشعر بأن شيئًا يتغير في البيت دون أن يعرف كيف يصفه، يراقب كل ما يحدث بعين تبحث عن الطمأنينة، ويحاول أن يربط الأحداث ببعضها، حتى يبدأ أحيانًا بتحميل نفسه جزءًا من المسؤولية، ويقنع نفسه أن الأمور ربما كانت ستختلف لو كان أكثر هدوءًا، أو أكثر طاعة، أو أقل إزعاجًا.
ثم يأتي القرار الذي يغيّر شكل الحياة كلها. يجلس الكبار لترتيب الحقوق والمسؤوليات، بينما يبدأ الأبناء رحلة مختلفة تمامًا، يحملون حقائبهم بين منزل وآخر، ويبحثون عن الشعور الذي فقدوه أكثر من بحثهم عن المكان. ومع مرور الأيام، يتعلمون إخفاء الحزن، وتأجيل الأسئلة، وكتمان المشاعر، ويعتادون أن يبتسموا في الوقت الذي يحتاجون فيه إلى من يسمعهم، لأنهم يشعرون أن الجميع منشغل بإعادة ترتيب حياته، بينما هم يحاولون فقط أن يفهموا حياتهم الجديدة.
وتكبر السنوات، ويبني كل طرف حياته من جديد، وتتسع البيوت لأشخاص جدد، وتمتلئ بالأصوات والضحكات، بينما يحاول الابن أن يجد مكانًا يشعر فيه بأنه ينتمي دون أن يضطر إلى تقسيم مشاعره بين عالمين. تأتي الأعياد، والمناسبات، ومحطات النجاح، فيتمنى أن يعيشها كما كان يتخيلها يومًا، ويكتشف مع الوقت أن بعض الأمنيات الصغيرة تتحول إلى أمنيات مؤجلة، وأن كثيرًا من المشاعر تبقى حبيسة قلبه حتى بعد أن يكبر.
ولأن الإنسان يحمل طفولته معه أينما ذهب، فإن أثر تلك التجربة يرافق كثيرًا من الأبناء في مراحل لاحقة من حياتهم، يظهر في علاقاتهم، وفي مقدار ثقتهم بالآخرين، وفي خوفهم من الفقد، وفي نظرتهم إلى تكوين الأسرة، لأن أول تجربة عاشوها أصبحت جزءًا من ذاكرتهم، وجزءًا من الطريقة التي ينظرون بها إلى الحياة.
ولهذا، يبقى هناك سؤال يستحق أن يسبق كل قرار مصيري بين الزوجين:
كيف سيعيش أبناؤنا هذا القرار؟
هذا السؤال قد يمنح الحوار فرصة جديدة، وقد يدفع إلى مراجعة المواقف، وقد يجعل التنازل خطوة تحمي قلوبًا صغيرة من آثار تستمر سنوات. وحين يصبح الانفصال هو الخيار الأخير بعد استنفاد كل وسائل الإصلاح، تبدأ مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، وهي المحافظة على الأبناء، وصناعة بيئة تمنحهم ما يحتاجون إليه من حب، واحتواء، واستقرار، حتى لا تتحول تجربة الكبار إلى عبء يحمله الصغار طوال حياتهم.
فالأسرة ليست سقفا يجمع أفرادها فقط، بل هي الشعور الذي ينمو في داخل الأبناء، ويمنحهم الثقة بأن الحياة مكان آمن، وأن العلاقات يمكن أن تُبنى على الطمأنينة والاحترام.
وبعد سنوات، قد ينسى الكبار كثيرا من تفاصيل الخلاف، لكن الأبناء يتذكرون دائما كيف شعروا في تلك الأيام. ولهذا، تبقى أعظم مسؤولية هي حماية قلوبهم، لأنهم كانوا منذ البداية أصغر أطراف القرار.. وأكبر أمانة.
فالقرارات قد يوقّعها الكبار في لحظة.. لكن الصغار هم من يعيشون آثارها أعمارًا كاملةً.
@ oqailys
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
