أخفت الآلة خلف بريقها التقني أعظم معضلات العصر الحديث، ولم تعد المعادلة في مجال الاتصال المؤسسي تدور حول كيفية صياغة الرسالة، بل حول هوية كاتبها. وفي مشهدٍ تتولد فيه المحتويات الإعلامية في ثوانٍ معدودة بضغطة زر، تتحدد بسرعة صورة المؤسسة وسمعتها لدى المجتمع. لقد اقتحم الذكاء الاصطناعي مكاتب العلاقات العامة وغرف الاتصال كشريك يفرض لغته وسرعته، مما يضع المؤسسات أمام اختبار هوية غير مسبوق. أخبار متعلقة تنمية المواهب والمهارات إنجاز وطني جديد.. الأرقام تتحدث من المؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة مذهلة على تجميع البيانات، وتلخيص التقارير، وصياغة الردود الروتينية بسرعة تتجاوز قدرات البشر بمراحل. ولكن، في غمرة هذا الانبهار بالسرعة، يفقد الاتصال أحيانًا أثمن ما يملك، وهو «الروح». يمتلك الجمهور حاسةً فطرية تمكّنه من تمييز الكلمات الباردة والمعلبة التي تصوغها الخوارزميات، وتلك التي تفتقر إلى النبض الإنساني الحقيقي. إن الخطر الأكبر لا يكمن في عجز الآلة عن محاكاة لغتنا، بل في أن نعتاد نحن كتابة رسائلنا ببرود الآلة، مما يفقد المؤسسة صوتها الفريد وهويتها المميزة. تظهر هذه الفجوة بوضوح عندما تهب العواصف وتواجه المنظمات الأزمات. هنا، يبدو الذكاء الاصطناعي كسيف ذي حدين؛ فهو يمنح غرف الاتصال القدرة على رصد مؤشرات الغضب الشعبي على منصات التواصل الاجتماعي، والتنبؤ بالأزمات قبل تفاقمها بفضل التحليلات الاستباقية. غير أن محاولة إطفاء الحرائق بأجوبة نمطية جاهزة ومولدة آليًا كثيرًا ما تأتي بنتائج عكسية؛ فالجمهور في لحظات الغضب لا يبحث عن إجابة صحيحة تقنيًا بقدر ما يبحث عن إحساس بالمسؤولية والتعاطف والاعتراف بالخطأ، وهي مشاعر إنسانية دقيقة تعجز عنها الآلة. ومع هذا التحول الرقمي المتسارع، تبرز معضلة السمعة والأخلاقيات بوصفها أهم تحدٍّ يواجه قادة الاتصال. ففي وقت أصبح فيه التزييف والقدرة على فبركة المحتوى البصري والصوتي في متناول الجميع، تواجه المؤسسات تهديدًا مستمرًا من الإشاعات الرقمية التي تنتشر كالنار في الهشيم. وإلى جانب ذلك، تثور التساؤلات الأخلاقية حول حدود الشفافية مع المتلقي؛ هل يجب على المؤسسة الإفصاح لجمهورها متى ما كان النص أو الحوار يُدار مع كيان اصطناعي؟ وقد تفقد المؤسسة ثقة العميل إذا شعر بأنه لم يُبلَّغ بوضوح أنه يتعامل مع كيان يعتمد على الذكاء الاصطناعي. إن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال الدعوة إلى الانكفاء أو محاربة التطور؛ فالذكاء الاصطناعي لن يستبدل خبراء الاتصال، بل سيتجاوز الزمن الخبراء والممارسين الذين يرفضون تبنيه وفهمه. فالطريق الأمثل للمستقبل يكمن في بناء ما يمكن تسميته بـ»الاتصال الهجين»، تلك الصيغة المتوازنة التي تمنح فيها الآلة للمؤسسة السرعة والدقة والبيانات الضخمة، بينما يضفي عليها الإنسان الحكمة والعمق الأخلاقي واللمسة الوجدانية. فالآلة قادرة على توليد النص، لكن الإنسان وحده هو من يمنحه المعنى والمصداقية. @Abeerg_