يُعدّ فلم "القيد" السعودي، أحدث إنتاجات "استوديو تلفاز"، تجربة جريئة ومختلفة في سياق نمو الحركة السينمائية المحلية، ويستحق التوقف عنده كونه يعكس طموحاً إنتاجياً وفنياً غير مسبوق. تدور أحداث الفيلم في شمال الجزيرة العربية خلال عشرينات القرن الماضي، ويقود الممثل يعقوب الفرحان شخصية "رماح"، الغازي الذي يمارس القتل والسطو دون رادع، لتبدأ رحلة الثأر والمطاردة في الصحراء الشاسعة بقيادة "سعود" (سعد الشطي) و"سطام" (خالد عبد العزيز). وفي إطار متابعة مستجدات عالم الثقافة والفن، يمثل هذا العمل فرصة لمناقشة التحديات التي تواجه التجارب الأولى ذات الميزانية الضخمة.
???? الطموح الإنتاجي والمخاطرة الفنية
صور الفيلم في صحراء نيوم بمواقع تصوير حقيقية وبتكلفة إنتاجية عالية، وهو ما يشكل خطوة جريئة بحد ذاتها. تكمن الجرأة في اختيار موضوع الثأر ووحشية الشخصية المحورية "رماح"، التي لا يمكن اعتبارها سويّة، مما يدفع السينما السعودية نحو موضوعات أكثر نضجاً وعمقاً.
تجدر الإشارة إلى أن الفيلم تضمن مخاطرات كبيرة من الجهة المنتجة، فهو التجربة الروائية الطويلة الأولى للمخرج حسام الحلو، والنص السينمائي الأول للكاتب والروائي أحمد الحقيل، بالإضافة إلى مشاركة ممثل شاب في دور البطولة جزئياً. هذه المخاطرات، التي تولدت من رغبة في تحقيق إنجاز كبير، كان يمكن أن تشكل عقبات لعمل بهذا الحجم.
✨ إيجابيات ترفع سقف الجودة
نجح "القيد" في تخطي العديد من التحديات، أبرزها:
-
الجودة البصرية: جودة الصورة في الفيلم تضعه في مرتبة متقدمة جداً، مقارنةً بأحدث الإصدارات العالمية.
-
مواقع التصوير: كان اختيار مواقع التصوير في صحراء نيوم مبهراً، مما عزز هوية الفيلم الثقافية والبصرية، وقدم مشاهد صحراوية خلابة ثرية بالألوان والتفاصيل، بعيداً عن الركون إلى تقنيات الشاشة الخضراء (الـ Green Screen) التي تستخدم لخفض التكاليف وتؤدي غالباً إلى نتائج رمادية باهتة.
-
الأداء التمثيلي: رغم قلة الخبرة في طاقم التمثيل الشاب، كان الأداء جيداً. يعقوب الفرحان يواصل تأكيد مكانته كأحد أهم نجوم السينما السعوديين بقدرته على الجمع بين النصوص الصعبة وبين كونه ممثلاً جماهيرياً، كما أن أداء سعد الشطي كان محل إعجاب، حيث أثبت قدرته على تأدية الأدوار الصعبة وتطور أدائه بشكل ملحوظ وصولاً إلى الذروة.
???? تضارب النبرة وتشتت الهوية السردية
على الرغم من الإيجابيات الواضحة، يظل "القيد" عملاً غير مكتمل تماماً، وقد يعود ذلك إلى تضارب الأصوات الإبداعية المشاركة في صناعته، وهو ما أشار إليه المخرج حسام الحلو في تصريحاته عن وجود اختلافات إبداعية خلال رحلة صناعة الفيلم.
الصراع بين البصري واللفظي
في البداية، يقدم الفيلم نفسه بذكاء بصري عالٍ، مستخدماً تفاصيل البيئة المحيطة لسرد القصة. على سبيل المثال، يرينا كيف يتتبع أحد الأشخاص خطوات جمل رماح الرطبة، وهو تفصيل سردي صوري رائع. لكن المفاجأة تكمن في أن الفيلم يعود ليجعل الشخصيات تناقش هذا الاكتشاف وتصفه لفظياً بعد أن وصلت الفكرة للمشاهد بصرياً. هذا التناقض يشير إلى عدم حسم الهوية بين:
-
السرد البصري العميق: الذي يكافئ المشاهد المتنبه.
-
الفيلم المباشر: الذي يأخذ بيد المشاهدين غير مكترث بمدى انتباههم للحبكة.
الانتقال غير المبرر في الإيقاع
تبدأ أحداث الفيلم بنبرة جدية وجامدة وإيقاع بطيء ومدروس، مع بناء مهيب لشخصية رماح ووحشيته ودمويته. كان المسار الطبيعي لهذه النبرة هو استمرار الطابع الصامت والتأملي، مع استكشاف تدريجي ودراسة معمقة لشخصية رماح ودوافعه، على غرار أفلام عالمية مشحونة بالعنف مثل No Country for Old Men.
ولكن، بدلاً من تكريس الوقت الكافي لدراسة شخصية رماح وتبرير تفككه النفسي، يحدث تسارع متزايد في السرد، لا يتناسب مع طبيعة النص البطيئة والوصفية. يتحول الفيلم فجأة إلى مطاردة "أكشن" سريعة ودموية، مع مشاهد قتال غير موفقة، مما يجعل اندفاع رماح نحو الهاوية غير مقنع، ويضعف الأثر المأساوي لشخصيته التي كان من المفترض أن تكون محور القصة.
????️ إشكالية اللهجة ودور المخرج
تظهر مشكلة إخراجية أخرى لا تتعلق بالصورة، بل بالواقعية السردية واللغة. على الرغم من أن الفيلم يحدد أحداثه في شمال الجزيرة العربية، هناك تضارب واضح في اللهجات بين الممثلين، وحتى عند الممثل نفسه في مشاهد مختلفة. هذا التضارب يضعف الوهم الذي سعى الفيلم جاهداً لخلقه بصرياً. إن مسؤولية المخرج تقتضي ملاحظة هذه التفاصيل والحرص على الحفاظ على درجة معينة من الواقعية، خاصة بعد اتخاذ قرار إبداعي بتحديد الزمان والمكان بدقة.
بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مشاهد ضعيفة سردياً، مثل مشهد اعتراف "سعود" بجميع أسراره وماضيه لنورة (ابتسام أحمد) في مشهد لا يتعدى الخمس دقائق، دون أي مبرر منطقي لمسألة الثقة بالغرباء في بيئة قاسية. هذا الاندفاع السردي يتناقض مع البداية المتأنية ويزيد من الإحباط تجاه الإيقاع المتبدل.
???? الخلاصة
يقف "القيد" كعمل محوري ومؤثر في السينما السعودية لهذا العام، ويشهد على طموح جيل جديد يرغب في تقديم سينما مختلفة وأكثر جرأة. نجاحه البصري وتفوق أداء يعقوب الفرحان وسعد الشطي لا يمكن إنكاره، حيث أن يعقوب الفرحان يثبت نفسه كنجم سينمائي حقيقي.
لكن الفيلم يعاني من تضارب في الصوت الإبداعي، بين أسلوب سردي متأن ووصفي يغمر المشاهد بتفاصيل عالم بديع، وبين محاولات إرضاء جمهور الأكشن عبر نسق متسارع. إن التحدي الأصعب أمام صناع السينما الطموحين يكمن في إيجاد المعادلة التي تجمع بين العمق الفني والدراسة التأملية للشخصيات، وبين الإيقاع المشوق الذي يجذب الجمهور، دون التضحية باتساق الهوية الفنية للعمل.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة الطريق ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من الطريق ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
