لم تعد كوريا الجنوبية نظاماً ديمقراطياً هشاً يكافح من أجل البقاء، والحفاظ على نظامها وسط تنافس محيطها لدول أكثر قوة منها، وأكثر تطوراً تكنولوجياً، فهي الآن في المرتبة الـ10 من حيث أضخم الاقتصادات في العالم، مدعومة بالقوة الناعمة للثقافة الكورية، كما أنها دولة متطورة صناعياً، وأثبتت مؤسساتها الديمقراطية مرونة ملحوظة في مواجهة الاضطرابات السياسية المتتالية.
ومع ذلك، كانت موجة الغضب الأخيرة بشأن تخفيف القيود على وصول الجمهور في كوريا الجنوبية إلى إعلام كوريا الشمالية يشير إلى أن «المعسكر المحافظ» لايزال مرتبطاً نفسياً بعقلية الحرب الباردة التي اعتادت التكتم، وعزل شعوبها عن أي إعلام تعتبره معادياً، ويعكس إصرار هؤلاء المحافظين على إبقاء الحصار الإعلامي رؤية للعالم، تعطي الأولوية للرقابة التي تقودها الدولة على حساب الثقة النظامية التي ينبغي أن تعرّف الديمقراطية الليبرالية الحديثة التي تتميز بأن شعبها يتمتع بالحرية.
عندما أعلنت إدارة الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي ميونغ، أنها سترفع وبصورة جزئية الحظر المفروض منذ عقود عدة على إعلام كوريا الشمالية، سارع بعض المحافظين إلى إدانة هذه الخطوة، ووصفوها بأنها «تنازلات خطرة» ومذلة لبيونغ يانغ، التي قد تعد ذلك انتصاراً لثقافتها وإعلامها، لكن هذه الردود الانفعالية لا تكشف عن مواطن ضعف أمنية حقيقية، بقدر ما تكشف عن انعدام ثقة عميق في نضج كوريا الجنوبية الديمقراطي.
استقرار المجتمع
ينطلق هذا النقد من افتراض أساسي، مفاده أن التعرض للروايات الكورية الشمالية قد يزعزع استقرار المجتمع الكوري الجنوبي، لكن هذا النهج في التعامل مع المعلومات يبدو معيباً جوهرياً في العصر الرقمي الذي سمح بانتشار المعلومات إلى كل أنحاء العالم.
وعلى النقيض من الحظر التام الحالي، فإن الوصول المحدود والخاضع للتحكم الذي تقترحه الحكومة يخدم غرضاً استراتيجياً بالغ الأهمية، فهو يُفكك دعاية بيونغ يانغ من خلال إخضاعها للتدقيق الصارم في إطار خطاب عام وحر.
عن طريق نقل هذه الروايات من زوايا المواقع الإلكترونية المظلمة إلى فضاء عام شفاف، تتيح الحكومة كشف سخافة عبادة شخصية نظام كيم جونغ أون أمام الحس السليم لمواطنينا، وفي هذا السياق، لا يعدّ الانفتاح دليلاً على الضعف، بل أداة فعّالة لتحييد النفوذ الأيديولوجي من خلال الشفافية، والانفتاح على الإعلام العالمي بصورة عامة.
فكرة قديمة
لكن الأمر الذي يجعل صرخة المحافظين الحاليين تعد نفاقاً خالصاً هو أن فكرة مساعدة الكوريين الجنوبيين على الوصول إلى وسائل الإعلام الكورية الشمالية، ليست فكرة جديدة طرأت بصورة مفاجئة للحكومة الحالية في سيؤول، بل كانت في يوم من الأيام من بنات أفكار قادة المحافظين أنفسهم، ففي عهد حكومة يون سوك يول السابقة، اقترح وزير الوحدة آنذاك كوون يونغ سي، علناً، السماح بالوصول إلى البث الكوري الشمالي.
وقال إنها خطوة حيوية نحو استعادة التجانس الوطني، وإظهار التفوق الساحق للجنوب، ليس من الناحية المعيشية فحسب، بل في معظم مناحي الحياة على الجارة الشمالية، وقد ردد هذا الرأي الدبلوماسي الكوري الشمالي السابق تاي يونغ، الذي شغل لاحقاً منصباً تشريعياً في حزب سلطة الشعب المحافظ، ورأى أن صمود كوريا الجنوبية في وجه وسائل الإعلام الكورية الشمالية سيُحدث «صدمة نفسية» للنخبة الكورية الشمالية.
لكن في نهاية المطاف تم إجهاض هذه المبادرة، ليس من قبل المعارضة الشعبية، بل نتيجة معارضة داخلية من ضمن حزب المحافظين نفسه، وعن طريق تخريب سياسات وزيرهم البراغماتية، أثبت المحافظون أن مصلحتهم الأساسية تكمن في احتكار المعلومات.
السياسة الأمنية
وعلاوة على ذلك، يمتلك الكوريون الجنوبيون عقوداً من الخبرة في التعامل مع المعلومات المضللة المعقدة والمواجهات الإيديولوجية، ومن غير المنطقي الادعاء بأن الروايات المتخلفة لصحيفة رودونغ سينمون، التي تعود إلى أيام الحرب الباردة، والخاضعة لسيطرة الدولة في كوريا الشمالية، تشكل تهديداً أكبر لنسيجنا الاجتماعي، من التضليل الرقمي المتطور و«الأخبار الكاذبة» المنتشرة حالياً على الإنترنت. وفي الحقيقة، فإن معاملة الجمهور كـ«خاضعين للتلاعب» إهانة للمواطنين المتعلمين، فالديمقراطية تزدهر في بيئة تبادل الأفكار.
لقد فشلت استراتيجية إدارة يون «السلام من خلال القوة» في تحقيق أهدافها، بل أدت إلى عودة كوريا الشمالية إلى أساليبها العدائية، كما تجلى ذلك في حوادث «بالونات النفايات»، وتفاقم «الخطر الكوري»، وقد أثبت العصر الذي نعيشه أن السياسة الأمنية القائمة على العداء وقمع المعلومات تجربة فاشلة، تُبقي البلاد أكثر قلقاً وأقل مرونة استراتيجية.
حقيقة كوريا الشمالية
من خلال السماح للمواطنين برؤية كوريا الشمالية على حقيقتها، دولة فقيرة شمولية تكافح من أجل البقاء، تعزز الحكومة شرعية نظامنا الديمقراطي الليبرالي، كما أن رؤية حقيقة الشمال هي أقوى وقاية من أي أوهام إيديولوجية متبقية.
وفي نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش بشأن الوصول إلى وسائل إعلام كوريا الشمالية، بقدرات بيونغ يانغ، وإنما بشأن هوية سيؤول، وهو يطرح التساؤل الذي مفاده: هل تعتقد كوريا الجنوبية أن نظامها الديمقراطي قوي بما يكفي لتحمل التعرض للخطابات المعادية، وهل قادتها مستعدون للثقة بالمواطنين الذين يدعون تمثيلهم؟ ويجب على النظام المحافظ أن يضع في أولوياته المرونة المؤسساتية، والازدهار والحرية. *جيون سو مي *المتحدثة باسم الحزب الديمقراطي الكوري وأستاذة في جامعة «سونغسيل عن «كوريا تايمز»
إعلان قوة
تقول المتحدثة باسم الحزب الديمقراطي الكوري والأستاذة في جامعة «سونغسيل»، جيون سو مي: «حققت كوريا الجنوبية انتصاراً في المنافسة الممنهجة، كما أن التظاهر بالانخراط في صراع أيديولوجي هش، يمكن أن يقوض ثقتنا بنظامنا الديمقراطي في الوطن، ويرسل مؤشراً حول انعدام الأمن إلى الخارج».
وفي الحقيقة، فإن تجاوز ردود الفعل الأيديولوجية البالية، والانخراط في نقاشات تتعلق بالمستقبل حول السلام والاستقرار الاقتصادي ليس تنازلاً، بل إعلان قوة، ودليل على أن نور ديمقراطيتنا ساطع جداً، بحيث لا يمكن أن تطفئه ظلال دعاية بيونغ يانغ الباهتة، التي ما انفكت تنشر الأخبار والأكاذيب التي لا يمكن أن تقنع أي شخص مطلع على ما يدور في العالم، ويعرف كيف تدار الدول أمثال كوريا الشمالية.
• السماح للمواطنين برؤية كوريا الشمالية على حقيقتها، دولة فقيرة شمولية تكافح من أجل البقاء، يعزز شرعية النظام الديمقراطي الليبرالي في سيؤول.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة الامارات اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من الامارات اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
