اقتصاد / صحيفة الخليج

مرونة منظومة التشريعات الإماراتية

محمد أبو شعبان

تجاوزت المنظومة القانونية في دولة الدور التقليدي للقانون، القائم على سنّ التشريعات عبر مراحل طويلة ومعقّدة، لتصبح اليوم أداة حيوية تواكب إيقاع الحياة المتسارع، وتستجيب بوعي ودقة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، فضلاً عن معالجة بعض الثغرات القانونية التي تفرزها الممارسات الحديثة.
وفي ظل سباق التنافسية العالمية وريادة المستقبل، أدركت دولة الإمارات أن السبق الحقيقي يكمن في تطوير وتحديث المنظومة التشريعية وتفعيلها بصورة مستمرة بما يتلاءم مع مستجدات العصر، فلم يعد القانون مجرد مجموعة من القواعد التنظيمية الجامدة، بل أضحى آلية حوكمة استباقية تُصمَّم لاستيعاب الابتكارات، وتأمين التحولات الاقتصادية الكبرى، وتمكين المجتمع الرقمي، بما يعزز مكانة الدولة كمركز إقليمي ودولي رائد، ويتبين ذلك جلياً في متابعة التحديثات في الساحة التشريعية خلال الربع الأخير من عام 2025، وما شهدته الأسابيع الماضية تحديداً من تعديلات ومبادرات قانونية نوعية.
ويلاحـــظ أن هــذه التشريــعات المحدثــة لـــم تصدر بمعزل عن الواقع العملي، بل جاءت لمعالجــة إشكالات قــائمة، وسد فراغات تشريعيــة أفرزتهـــا الممارسات الحديثـــة، ســـواء في المجال المالي أو الجنائـــي أو التنظيمي، وهو مــا يعكس نهجاً تشريعياً يقوم على الاستباق لا ردّ الفعل، وفي الإطار ذاته، امتد هذا النهج المرن ليشمل تشريعات محورية أخرى تم تحديثها أو إعادة تنظيمها بموجب مراسيم بقوانين اتحادية، كان لها أثر مباشر في إعادة ضبط القانونية والتنظيمية في الدولة.
ففي مجال تنظيم بيئة الأعمال، جاءت التعديلات الأخيرة على قانون الشركات بموجب مرسوم بقانون اتحادي رقم 20 لسنة 2025 بشأن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 32 لسنة 2021 بشأن الشركات التجارية، لتعكس توجهاً تشريعياً واضحاً نحو تعزيز المرونة في الهياكل القانونية للشركات، وتسهيل ممارسة الأنشطة الاقتصادية، واستيعاب المتغيرات التي فرضها تطور نماذج الأعمال والاستثمار. وقد أسهمت هذه التعديلات في دعم تنافسية السوق، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحوكمة ومرونة التشغيل، بما يخدم المستثمرين ويعزز الثقة في الإطار القانوني المنظم للأعمال.
وعلى صعيد الإجراءات القضائية، فقد صدر تحديث لبعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي بشأن الإجراءات المدنية وقد اشتمل على مرونة في مواكبة متطلبات العدالة الناجزة، من خلال تبسيط الإجراءات، وتعزيز استخدام الوسائل الرقمية، وإعادة تنظيم بعض المسارات الإجرائية بما ينسجم مع طبيعة النزاعات الحديثة. ويعكس هذا التحديث إدراك المشرّع لأهمية أن تكون القواعد الإجرائية داعمة لسرعة الفصل في الخصومات، دون المساس بضمانات التقاضي أو حقوق الأطراف.
وفي البعد الاجتماعي والإنساني، برز المرسوم بقانون الاتحادي بشأن الأطفال مجهولي النسب كنموذج متقدم للتشريع المرن المرتبط بتحولات الواقع المجتمعي، إذ جاء هذا التشريع ليضع إطاراً قانونياً واضحاً يعالج أوضاعاً كانت تحتاج إلى تنظيم بما يضمن حماية هذه الفئة، وصون كرامتها، وتنظيم أوضاعها القانونية والاجتماعية بصورة متوازنة تراعي المصلحة الفضلى للطفل.
كما تؤكد التجربة التشريعية لدولة الإمارات خلال عام 2025 أن المرونة أصبحت عنصراً أصيلاً في فاعلية المنظومة القانونية واستدامتها، لا مجرد استجابة ظرفية للتغيرات، فقد أظهر النهج التشريعي المتبع قدرة واضحة على التكيّف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، مع الحفاظ على استقرار المراكز القانونية وضمان وضوح القواعد المنظمة.
وتتمثل القيمة الحقيقية لهذه المرونة في ما تحققه من توازن دقيق بين سرعة التحديث ومتطلبات الأمن القانوني، بما يعزز ثقة المتعاملين، ويدعم بيئة الأعمال والمستثمرين، ويرفع من كفاءة المنظومة القضائية والتنظيمية، كما تسهم في تمكين التشريعات من مواكبة التحول الرقمي وتطور أنماط التعامل الحديثة دون إحداث اضطراب تشريعي أو إجرائي.
وبذلك، تكرّس منظومة التشريعات الإماراتية نموذجاً متقدماً يقوم على المرونة الواعية، ويجعل من القانون أداة فاعلة لمواكبة تطورات الحياة وتحقيق التنمية المستدامة، بما يعزز مكانة الدولة كبيئة قانونية حديثة قادرة على استشراف المستقبل بثقة واستقرار، وقدرتها على جذب مختلف فئات المستثمرين والأعمال، بما يحقق قيمة مضافة حقيقية ومستدامة لدولة الإمارات.
* المستشار القانوني «تاج مستشارون قانونيون»

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا