منوعات / بالبلدي

- إيران.. المؤامرة تنتقل إلى الأطراف

هل سألت نفسك عن المحاولات الجارية، حاليًا، لكسر أطراف المنطقة؟ لماذا يستنسخون ما يُسمّى بـ«الربيع العربي» في إيران وأخواتها، كجزء من سيناريو تفكيك الأجناب خلال العامين الأخيرين (، لبنان، الصومال، السودان، والنشاط المشبوه في منطقة جنوب دول شمال إفريقيا)؟ كيف أفشل شعبنا العظيم مخططهم الذي استهدف قلب المنطقة، ، قبل صيف 2013، رغم أن مؤامرتهم كانت تتجاوز حدود الإقليم؟ وأي طرق عملية يمكنها تحييد أدواتهم الوظيفية الهدامة وسط صراعات دولية عاصفة؟

قبل (وبعد) غزو عام 2003، كتبت عن «شلة اليمين المتصهين»، أو ما كان يُعرف حينها بـ«المحافظين الجدد» في إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن.

ركّزت على نائب الرئيس، ديك تشيني، الدفاع، دونالد رامسفيلد، نائب وزير الدفاع، بول ولفوويتز، مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، ريتشارد هاس، وأخطرهم رئيس لجنة مستشاري الدفاع، ريتشارد بيرل، وإن كانوا جميعهم شركاء في التفكير والتأثير التآمري، وترجمة ذلك عمليًا عبر الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

آنذاك، كانت «أبواق » موالية للإدارة الأمريكية في المنطقة، ممن تم فرضهم على المشهد الإقليمي (حقوقيًا، وسياسيًا)، ينفذون المطلوب منهم. أقصد، التمهيد للمؤامرة الكبرى متعددة المسميات: «الفوضى الخلاقة» و«الشرق الأوسط الكبير»، قبل أن يدلّلوها إعلاميًا عام 2011 بمسمّى «الربيع العربي». بدأ التفكير فيها، فعليًا، منذ يوليو 2002، عندما قدّم الفرنسي، لوران مورافيتش (المستشار بوزارة الدفاع الأمريكية)، مخططًا للجنة المستشارين، برئاسة ريتشارد بيرل، تطالب بإعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الاستراتيجية الأمريكية- الغربية، من بين ما ورد فيها أن «العراق يمثل المحور التكتيكي، المحور الاستراتيجي، ومصر ستكون الجائزة الكبرى»!

ولمن لا يعرف، لوران مورافيتش، فقد كان قبل وفاته عام 2009 محللًا استراتيجيًا متخصصًا في شئون الأمن والسياسة الدولية، ذو توجهات متطرفة تجاه الدول العربية، وفاعلًا في مخطط إحراق جزء من الدول المستهدفة. ركّزت رؤيته المتشددة على استخدام القوة السياسية والعسكرية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بعدما توافق مع أهواء أعضاء لجنة مستشاري وزارة الدفاع الأمريكية (الرسمية)، التي تقدم توصياتها «شبه الملزمة» للحكومة، مستغلة دورها المؤثر في صياغة السياسات الدفاعية والأمنية على السواء.

تم تخطيط المؤامرة الأمريكية- الغربية منذ البداية وفق قاعدة حسابية واضحة: السيطرة على الأطراف أولًا قبل محاولة استهداف القلب. تضمن الهدف الاستراتيجي إحكام النفوذ على الممرات البحرية والبرية الحيوية، وربطها بالتحكم في القرار السياسي وموارد النفط، من خلال «تمكين» أدوات تابعة من إدارة البلدان المستهدفة. حاولوا تنفيذ كل خطوة بدقة لتفادي الانزلاق في صراعات عسكرية مباشرة، بكلفتها البشرية والمالية، على النحو الذي جربوه في أفغانستان والعراق.

تعددت أساليب فرض النفوذ الخارجي خلال الـ25 عامًا الماضية. المتآمرون يواصلون ضغوطهم الاقتصادية والسياسية، ويحاولون إضعاف التماسك الداخلي لتقليل القدرة على مواجهة أي تدخل، ويوظفون حملات العلاقات العامة، ويتلاعبون باتجاهات الرأي العام، مما يمكّنهم من تنفيذ خططهم بسهولة في المجتمعات المستهدفة، لترسيخ التبعية الكاملة والهيمنة على القرار الاستراتيجي دون مواجهة مباشرة مع القوى الداخلية.

استراتيجية المخطط تعتمد على دمج أدوات غير مباشرة (دعم شبكات محلية وإعلامية، وأدوات ضغط اقتصادية، مع مراقبة دقيقة للحراك السياسي الداخلي). تمكّن المخططين من الحفاظ على ورقة النفوذ مفتوحة، حتى في حال فشل بعض الإجراءات، مع القدرة على إعادة توزيع التحركات بشكل يحمي المصلحة الكبرى دون خسارة هيبة القوة الدولية.

الاعتماد على وكلاء محليين لم يكن لينجح، نسبيًا، لولا الأدوات المالية والإعلامية التي وفرتها عواصم دعم الإرهاب، حرصًا على ضمان المرونة في تنفيذ المؤامرة. ركز المخططون على تفكيك تدريجي لمؤسسات دول مستهدفة عبر عمليات استنزاف وتفكيك وتفتيت، تعاونت خلالها أجهزة استخبارات دولية وإقليمية.

جرى توظيف الانقسامات التاريخية والعشائرية والسياسية أداةً مركزية في تدمير بطيء لبنيتها الداخلية، ما يتيح للمتآمرين ومن يدفع بهم إدارة الفوضى والتحكم في نتائج الصراعات المحلية.

الأطراف التآمرية لم تنتظر الأحداث الدامية لتتفاعل معها، بل جمعت مسبقًا معلومات تفصيلية عن الدول والمجتمعات المستهدفة، شملت تركيبة السلطة، ومراكز النفوذ، والانقسامات الاجتماعية والسياسية، وطبيعة ومزاج الرأي العام (راجعوا استطلاعات الرأي المشبوهة التي تمت خلال الفترة من 2001 حتى 2005)، وكيف مكنت هذه المعرفة الاستخباراتية من توقّع ردود الفعل المحتملة وإدارتها بحذر، عبر تعديل الخطوات، وتسريع بعضها أو إبطائها، واستخدام أدوات مختلفة لاحتواء أي تهديد محتمل.

يعتمد المخطط على خطوط زمنية دقيقة، تُجرى خلالها عملية تقسيم للعمليات إلى مراحل، تبدأ بالتحكم بالأطراف، ثم الانتقال إلى القلب، وأخيرًا مواجهة خصوم القوى الكبرى خارج الإقليم. التصميم الاستراتيجي للمؤامرة يمنحها مرونة في تعديل التكتيكات وفق أي مقاومة مفاجئة، ويسمح بإعادة توجيه الموارد المالية والبشرية بسرعة نحو مناطق الضعف في الإقليم.

شكلت الجغرافيا ركيزة أساسية في المؤامرة، لاسيما الممرات الاستراتيجية بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وطرق الإمداد عبر شمال أفريقيا، وسط مساعٍ لتحويل الموقع الجغرافي إلى أداة نفوذ عبر ربط الموارد الاقتصادية مباشرة بالقرار السياسي. تلعب ، بما فيها النفط والغاز الطبيعي، دورًا أساسيًا كورقة ضغط سياسية واقتصادية ضد خصوم محددين (الهند وروسيا والصين)، مع الحفاظ على مستوى من التحكم غير المكشوف في الصناعات الكبرى، عالميًا.

في كل دولة مستهدفة يجري الدفع بالمجتمع إلى الاضطرابات، وساعتها ينتقل المخطط من التفكيك البطيء إلى الرهان على السيطرة السريعة. تقديرهم أن الصدمة السياسية تفتح نوافذ قرار قصيرة، تسمح بإعادة هندسة السلطة، يُجرى تسريع التمويل، وتكثيف الاستهداف الإعلامي، وتوجيه الشارع لإرباك مؤسسات الدولة قبل استعادة توازنها المؤسسي، وخلق حالة فراغ تفاوضي داخلي مؤقت قابل للاستغلال الخارجي.

اختيار جماعة الإخوان لم يكن صدفة، بل لاعتبارات تنظيمية ووظيفية. الجماعة تمتلك هيكلًا منضبطًا، وخطابًا تعبويًا، وقابلية عقد حتى مع الشيطان نفسه. معطيات تمنحها قدرة تآمرية على تنفيذ الاختراقات المأمورة بها. الدعم الخارجي ركز منذ 2005 على تمكينها انتخابيًا وإعلاميًا، مع تحييد المخاطر القانونية، لضمان انتقال سلطة سريع دون مقاومة منظمة، وتفكيك مراكز القرار التقليدية القائمة داخل البلدان.

الإعلام يلعب دورًا مركزيًا في التحول التكتيكي، عبر تضخيم الاحتجاجات وتبسيط الصراع. يُجرى تقديم بدائل جاهزة للسلطة، مع إقصاء أي قراءة نقدية. هذا التدفق يخلق واقعًا افتراضيًا ضاغطًا، ويدفع قطاعات إلى التردد.المستهدف الأساسي شل القرار الرسمي، ودفعه إلى خيارات متسرعة تفقده المبادرة السياسية، وتربك مؤسسات الدولة خلال لحظات حاسمة قصيرة زمنيًا.

التمويل الخارجي يجري تخطيطه وتجهيزه ليعمل بسرعة ومرونة، بعيدًا عن القنوات الرسمية. ضخ الأموال دعم الحشود، والإعاشة والإغاثة، والحملات الإلكترونية المواجهة. هذا يخلق اعتمادًا متبادلًا بين الممولين والأدوات المحلية. في المقابل، يُجرى تهميش الاقتصاد الحقيقي. النتيجة اقتصاد احتجاجات (أطلق عليها قيادي إخواني شهير، هارب خارج مصر، وصف: فلوس الثورة)، لا اقتصاد دولة قادرًا على الاستمرار، مع ارتفاع كلفة الفوضى الاجتماعية والسياسية لاحقًا على الجميع.

التنظيم يعد الحلقة الحاسمة، ويضمن الاستدامة بعد الصدمة. يوجَّه لبناء شبكات ميدانية، ولجان أحياء، وإدارات ظل (خفية)، ما يسمح بإدارة يومية بديلة. يحاول المتآمرون توفير مظهر دولة، وإن كان الاعتماد على الولاء التنظيمي كشف الجماعة الإرهابية والمتعاونين معها، وأظهر ضعف الكفاءة، وفجوة الإدارة، وتراجع القبول داخل المجتمع المدني، الذي تبين لعقلائه أن جماعة الإخوان تتعامل معهم كوقود معركتها الشخصية التي تستهدف السطو على السلطة بشعارات مفضوحة.

رهان أطراف المؤامرة (وإخوانهم) على السرعة تجاهل عمق الدولة المصرية، وأضعف قدرتهم على الاحتفاظ بالزخم. التحول التكتيكي، رغم ضخامته، افتقر إلى القراءة الصحيحة (تقدير صلابة المؤسسات، وعي المجتمع، وتماسك القرار). المؤسسات الوطنية احتفظت بقدرتها على التعلم السريع. التناقض بين الخطاب والممارسة لأطراف التآمر انكشف مبكرًا (30 يونيو 2012 - 30 يونيو 2013)، فأفشل الدمج بين الجماعة والدولة، وأنتج ارتباكًا استراتيجيًا متصاعدًا، وتسبب في تآكل ثقة قطاعات اجتماعية مهمة في المدن والأقاليم المختلفة.

المخطط افترض تخلي المؤسسات السيادية عن مهامها الوطنية وعدم انحيازها للشعب المصري. تقدير خاطئ من المتآمرين. المؤسسات قرأت التهديد كمساس بوجود الدولة، وسارعت بإعادة ترتيب أولوياتها. الحفاظ على التماسك المؤسسي منع الانهيار. التحول التكتيكي (التآمري) اصطدم بجدار صلب. بدأ التراجع، وتبدلت أدوات الضغط، وظهرت مؤشرات فشل مبكر في الحسابات السياسية الخارجية لدى الداعمين الأساسيين.

الخطأ الآخر لأطراف التآمر يتمثل في تقدير الإقليمية. المخطط افترض أن سقوط القلب سيقود تلقائيًا إلى انهيار المحيط، لكن العكس حدث. تماسك مصر أعاد حسابات دول عديدة. هذا التبدل الإقليمي سحب الغطاء عن الأدوات المحلية (الإخوان، وإخوانهم في المخطط). التحول التكتيكي فقد عمقه، وتحول إلى عبء على داعميه سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا معًا خلال فترة قصيرة نسبيًا.

في الحالة المصرية، كانت معظم المعطيات لصالح الدولة (شعبًا ومؤسسات). كل يوم كشف تناقضات جديدة للمتآمرين، وكشف حدود الأدوات الوظيفية. فقدوا المبادرة، فانتقلوا، قسرًا، إلى خيارات أقل فاعلية داخليًا وخارجيًا. فشل السيطرة السريعة أعاد المخطط إلى المربع الأول بكلفة أعلى. الفشل لم يُنهِ الصراع، بل غيّر شكله، فكان الانتقال من القلب إلى الأطراف خيارًا اضطراريًا، في ضوء ما يحدث في إيران وأخواتها.

قبل 4582 يومًا (12 سنة و6 أشهر)، أجهض شعبنا المؤامرة في مصر. في 30 يونيو 2013، انكشف الرهان على التنظيمات الإرهابية، إذ تأكد أنها قد تنجح في التعبئة، لكنها تفشل في الإدارة، وأن الدولة، ككيان مركب، تحتاج خبرة لا إلى شعارات. قطاعات واسعة لاحظت تفكيك مؤسسات الدولة خلال حكم جماعة الإخوان قبل التاريخ المذكور، تضاربت القرارات، وقادت الجماعة إلى تسييس الإدارة. تناقض التقطه شعبنا سريعًا وتفاعل معه عمليًا، فأسقط المخطط التآمري من أساسه، بينما شكلت الاحتجاجات الشعبية إعلانًا عن خيار المصريين.

الإدراك الوطني حوّل القلق، حينها، إلى فعل منظم. المجتمع لم ينتظر النخب التي كانت تجتر الأحزان تجاهلها سياسيًا من «مكتب الإرشاد» (الهيئة التنفيذية للجماعة)، لذا فرض الشعب المصري مساره، مستندًا إلى قراءة عملية للمخاطر، لا إلى انفعالات، واعتبر الإطاحة بالإخوان «اختبار بقاء». تفاعل المجتمع، وتماسك المؤسسات، ووضوح الخطر صنعوا النتيجة. سرعة استعادة التوازن المؤسسي منعت الانزلاق إلى فراغ طويل. الحفاظ على وحدة القرار، وضبط الشارع، ومنع الاقتتال الداخلي، ثلاثية نجحت في تحييد سيناريوهات التفكيك التي أعدها واضعو المخطط الكارثي مسبقًا.

القوات المسلحة أدت دورًا مفصليًا كضامن لبنية الدولة. انحيازها الوطني أغلق مسارًا كاملًا، وفرض على الخارج التعامل مع واقع جديد، وأفشل الرهان على الانقسام المؤسسي، فكانت ضربة استراتيجية لمخطط السيطرة السريعة. التجربة تقدم درسًا عمليًا: مقاومة المخططات المعقدة لا تحتاج خطابًا زاعقًا، بل فهمًا دقيقًا للتوقيتات، والخصوم، وأدواتهم المتغيرة باستمرار. الشرعية الشعبية بُنيت عبر شعور عام بالتهديد، وهذا النوع من الشرعية يصعب كسره. الخارج فشل في تفكيكها لأنه لم يفهم مصادرها. الاعتماد على نماذج جاهزة للتغيير تجاهل الخصوصية المصرية، فوقع في خطأ التعميم، وخسر القدرة على التنبؤ برد الفعل المجتمعي الحقيقي.

الأداء اليومي للدولة، رغم الصعوبات، حافظ على الحد الأدنى من الاستقرار، ومنع إعادة تدوير الفوضى. الأدوات الوظيفية فقدت قدرتها على الحشد، وتحولت من مشروع بديل إلى عبء سياسي وإعلامي على داعميها. مخطط السيطرة تحول إلى سياسة إزعاج. هذه النقلة تفسر لاحقًا منطق كسر الأطراف. الحالة المصرية بقيت مرجعية مقلقة للخصوم، لأنها أثبتت أن الوعي المجتمعي، حين يقترن بتماسك الدولة، قادر على قلب أكثر السيناريوهات تعقيدًا.

التحرك الشعبي في مصر لم ينشأ من فراغ، بل من تراكم وعي سياسي واجتماعي طويل، وكانت نتائجه أبعد من الداخل المصري. سقوط سيناريو القلب أعاد خلط الأوراق الإقليمية. دول كانت تترقب النتائج أعادت حساباتها، ومشاريع كانت معلقة توقفت. الامتداد الإقليمي يفسر حجم الغضب اللاحق. مصر تحولت من هدف إلى عائق، وغيرت اتجاه الضغوط. هذه الخطوة تجاوزت مؤامرة «الإخوان» في مصر، وشكلت كسرًا لمسار مخطط كامل. التحرك أعاد الاعتبار للعلاقة بين الشارع والدولة، وأربك الداعمين، وأجبرهم على الانتقال من الهجوم إلى الدفاع في الإقليم كله، ثم إلى محاولة كسر الأطراف لاحقًا.

العودة إلى الأطراف بعد فشل اختراق القلب لم تكن خيارًا مفضلًا لأطراف المؤامرة المتجددة، بل اضطرارًا استراتيجيًا من الولايات المتحدة وحلفائها. القوى المتدخلة احتاجت تعويض الخسارة بإرباك المحيط، خاصة أن الأطراف (كما يبدو لهم) أقل تماسكًا، وأكثر قابلية للاشتعال. الاحتجاجات في إيران لا تنفصل عما نتحدث فيه. ليست دعمًا لـ«الديمقراطية»، بل أداة ضغط. الهدف زعزعة الداخل، واستنزاف الدولة، ودفعها إلى قرارات دفاعية. توقيت التحركات وتكثيف التغطية الإعلامية كشفا إدارة خارجية للإيقاع، مع توظيف مطالب اجتماعية حقيقية لإنتاج أزمة سياسية ممتدة قابلة للتدوير. يكفي أن يقول جهاز الموساد الإسرائيلي، رسميًا، للمحتجين: «نحن معكم».

تعمل الأدوات الوظيفية الداخلية وفق منطق بسيط: إنهاك الدولة من الداخل دون رفع كلفة المواجهة الخارجية. تُدار هذه الأدوات عبر شبكات تمويل، ومنصات إعلامية، وعلاقات رمادية داخل المجتمع. مهمتها نشر الشك، وتعطيل الثقة، وإرباك القرار، لا إسقاط الدولة مباشرة، بل إضعاف قدرتها على الفعل المتماسك طويل المدى. أدوات لا تتحرك عشوائيًا، بل وفق تكتيكات دقيقة: افتعال أزمات جزئية، وتضخيم أخطاء، وإعادة تدوير خطاب مظلومية. الهدف خلق حالة إنهاك نفسي ومؤسسي. الخارج يكتفي بالإدارة عن بعد، بينما يتحمل الداخل كلفة الاحتكاك. هذا النموذج يقلل المخاطر السياسية على الممولين، ويطيل عمر الصراع دون التزام مباشر منهم.

المواجهة تبدأ بالفهم، لا بالإنكار. الدول المستهدفة تحتاج تعريفًا واضحًا للتهديد، يميّز بين النقد المشروع والعمل الوظيفي. الخلط بينهما يضعف الجبهة الداخلية. المطلوب منظومة قانونية وإعلامية دقيقة، تضبط السلوك التخريبي دون خنق المجال العام، وتحافظ على التوازن بين الأمن وحرية التعبير المسئولة. الحل المؤسسي يتمثل في كسر العزلة بين أجهزة الدولة. تبادل المعلومات، وتوحيد قواعد البيانات، وتحليل الأنماط السلوكية، يقلص هامش حركة الأدوات الوظيفية. العمل المنفصل يخلق ثغرات. يحول المفاجأة من سلاح للخصم إلى عبء عليه، ويمنح الدولة قدرة استباقية بدل الاكتفاء برد الفعل المتأخر دائمًا.

قبل إيران، شكّلت سوريا حالة مختلفة، انتقل التدخل من إنهاك طويل للدولة إلى إسقاط منظم لها. الهدف لم يكن سوريا وحدها، بل إعادة فتح الممرات البرية، وتغيير خرائط النفوذ. إسقاطها يقطع خطوط تواصل إقليمية، ويعيد ترتيب توازنات شرق المتوسط، بما يخدم مصالح القوى المتدخلة على حساب الاستقرار العام. لبنان في دائرة المخطط نفسه. استخدموا معه الانهيار الاقتصادي أداة تفكيك بطيئة. الضغط المالي، وتعطيل المؤسسات، وتغذية الانقسام الطائفي، كلها عناصر متراكبة. يحرصون على إضعاف الدولة دون إسقاطها الكامل، عبر تركها في حالة شلل دائم. هذا النموذج يخدم منطق الاستنزاف، لأنه منخفض الكلفة، وعالي التأثير على المدى المتوسط والطويل.

السودان دخل الدائرة بوصفه نقطة تماس جغرافية خطرة. الصراع الداخلي لم يكن معزولًا عن حسابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي. تفكيك الدولة هناك يهدد الأمن المائي، ويخلق فراغًا مفتوحًا للتدخلات. إدارة الصراع اعتمدت تسليح أطراف متقابلة، ومنع أي تسوية سريعة، لإبقاء النزيف مفتوحًا قدر الإمكان. الاعتراف الإسرائيلي (المنفرد) بإقليم انفصالي في الصومال خطوة توضح ملامح المخطط نفسه. تحمل دلالات استراتيجية تتعلق بالممرات البحرية، وباب المندب تحديدًا. خلق كيان وظيفي جديد يسمح بموطئ قدم دائم، ويضغط على دول الإقليم. هذا التحرك يعكس انتقال الصراع إلى إعادة هندسة الجغرافيا السياسية، ليس في القرن الأفريقي فقط، بل على تخوم المنطقة ككل.

من يتابع التفاعلات المشبوهة في منطقة الصحراء الكبرى يجدها قد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح عمليات صامت وصاخب أحيانًا. ضعف الدول، وانتشار السلاح، وتداخل الحدود جعلها بيئة مثالية للمخططين. نشاط يستهدف قطع العمق الاستراتيجي لشمال أفريقيا، وخلق مسارات تهريب وفوضى أمنية، للإرباك ومنع التنسيق الفعال. تزامن الساحات ليس صدفة. إدارة الصراع اعتمدت مبدأ الضغط المتعدد الاتجاهات. تشتيت الانتباه يمنع الدول المستهدفة من التركيز الكامل. كل ساحة تستنزف الأخرى سياسيًا وإعلاميًا. هذا النمط يعكس ضيق الخيارات، ويؤكد أن القوى المتدخلة لم تعد تملك مشروع حسم، بل إدارة فوضى محسوبة.

التحول من الحسم إلى الاستنزاف يعكس تراجع القدرة، لا تطورها. يراهنون على الزمن، وعلى تآكل المجتمعات، وعلى ترهل المؤسسات، وعلى ضعف الدول. الوعي بأبعاد ما يتم جزء من الاستراتيجية المضادة. وسط هذا وذاك، تصبح المنطقة مسرح إدارة أزمات دائمة بدل تسويات شاملة. أعداء المنطقة يستهلكون أدواتهم الوظيفية. هي بالنسبة لهم (كما الإخوان، والميليشيات، والأبواق) مجرد وقود معركة. نحن، الآن، في مرحلة تكشف أن كسر الأطراف لم يعد طريقًا مضمونًا للوصول إلى القلب. التجارب السابقة رفعت مناعة الدول صاحبة الاستراتيجيات الوطنية، التي تحركت مبكرًا لقطع الطريق على الفوضى بالتنمية الشاملة.

منذ 2014، سعت مصر إلى تنمية شاملة تعكس قوتها المتكاملة. ركّزت الاستراتيجية على تعزيز القوة العسكرية لتأمين الدولة، وتطوير الاقتصاد عبر مشاريع قومية ضخمة وصناعة محلية متقدمة، بينما دعمت القوة الاجتماعية بتحسين التعليم والصحة وتوسيع فرص العمل. ثقافيًا، تم إبراز الهوية الوطنية وإحياء التراث مع دعم المبادرات الإبداعية. هذه السياسات المتوازية صممت لتعزيز مكانة مصر إقليميًا ودوليًا، وجعل التنمية أداة قوة استراتيجية متماسكة، وليست مجرد نمو اقتصادي.

نعم، المنطقة مقبلة على إعادة ترتيب توازنات، لا انفراج سريع. من يستثمر في التماسك الداخلي سيصمد.من يؤجل الإصلاح سيدفع كلفة أعلى. الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل إداريًا ومعرفيًا واقتصاديًا. النجاح سيذهب لمن يدير هذه المستويات معًا، دون انفعال، وبقرارات تراكمية محسوبة الأثر. فشل المخطط في تحقيق أهدافه لا يعني نهايته، بل تحوله إلى أشكال أخرى تستثمر في تصدير الأوهام والشعارات. الإدراك يمنع المفاجآت، ويفقد الأدوات الوظيفية قيمتها، وتصبح قوى المصالح الدولية مضطرة للتعامل مع واقع صلب.

بالطبع، الفرق كبير بين «الأدوات الوظيفية»، و«المعارضة الوطنية»، التي تمثل جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية لأي دولة، فهي تعمل على مراقبة أداء الحكومة، نقد السياسات العامة، واقتراح بدائل تخدم مصالح الشعب. تختلف أشكالها بين برلمانية، مدنية، أو شعبية، لكنها تشترك في هدف تعزيز الشفافية والمساءلة. المعارضة الفعّالة تعتمد على المعرفة والخبرة والمصداقية، وتبتعد عن العنف أو التخريب. عند تفعيل دورها بشكل مسئول، تصبح أداة تصحيحية تساعد الدولة على تطوير سياساتها، تحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان مشاركة المواطنين في صنع القرار، مما يعزز الاستقرار الوطني والتنمية المستدامة.

اقرأ أيضاً
قلق دولي.. وزراء خارجية مجموعة السبع يراقبون تطورات الوضع في إيران

بريطانيا تجلي سفيرها وكامل طاقم سفارتها من إيران

إيران تغلق مجالها الجوي أمام جميع الرحلات باستثناء حالة واحدة

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة بالبلدي ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من بالبلدي ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا