عرب وعالم / الامارات / صحيفة الخليج

مسرح سلطان.. يستعيد بهاء «أبو الفنون»

يقول المخرج والممثل المسرحي الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي: «ما لم يستطع المسرح أن يجعلك شخصاً أفضل، فعليك الهروب منه»، وهنا، نتذكر مقولة «بيرنارد شو» عن المسرح التي أكد فيها أن «أبو الفنون» هو علاج لأمراض المجتمع، وهو ما يدعونا وبقوة لقراءة مسرحيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، هذا المسرح الذي يرتكز بشكل كبير على التاريخ والشخصيات والأحداث التاريخية، أو لنقل: «هو يستلهم من التاريخ العربي والإسلامي، ويعالج قضايا تاريخية من خلال استعراض حركة هذا التاريخ وما فيه من محطات ومفاصل مهمة بهدف تقديم رؤية مبصرة، وملهمة تسترشد بها الأجيال القادمة».

في اليوم العالمي للمسرح عام 2007، ألقى صاحب السمو حاكم الشارقة، كلمته الشهيرة التي حملت شعار «سيبقى المسرح ما بقيت الحياة». وليس أدل من هذه العبارة الخالدة، لتشكل مدخلاً لفهم أعمال سموه المسرحية، وهي كثيرة ومتنوعة وقدمت في مهرجانات ومحافل دولية عديدة وحازت الكثير من التكريمات والجوائز التي تليق بكاتبها كأحد القادة والمثقفين الكبار المهمومين بالشأن العربي والإنساني والذي لا تزال كتاباته تلهم العديد من المثقفين والكتاب من حول العالم.
منظور جديد
في العديد من مسرحيات صاحب السمو حاكم الشارقة على سبيل المثال: (طورغوت، عودة هولاكو، شمشون الجبار، الاسكندر الأكبر) نجد أن الناظم الرئيسي بينها هو استعادة الشخصيات والتواريخ الإسلامية والعالمية وتقديمها من منظور جديد، فسموه معروف بتناوله للقضايا التاريخية، خاصة تلك التي تتعلق بالمنطقة العربية والإسلامية، وغالباً ما يعيد قراءتها وتقديمها بطريقة تنتقد الروايات الاستعمارية أو تقدم رؤية أكثر توازناً وعدالة. وهو يكتب مسرحيات «تاريخية فكرية» تهدف إلى تصحيح المفاهيم واستحضار العبر، والفكرة المركزية أو الثيمة الرئيسية التي تتكرر في معظم مسرحيات سموه هي الصراع من أجل العدالة، ومساءلة القوة، وتصحيح الصورة التاريخية.
لا تقدم مسرحية «الإسكندر الأكبر» شخصيتها الرئيسية كبطل أسطوري فقط، بل تتناول طموحاته الإمبريالية، وتعقيدات شخصيته، وصراعه بين البطولة والغرور، وعلاقته بالشعوب التي احتلها، والثيمة هنا، هي نقد الغزو والتفكر في ثمن الإمبراطوريات، كذلك الأمر في «طورغوت» وهي تتألف من أربعة فصول كتبها سموه لتصور الصراع بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية في القرن السادس عشر، وتركز على دور القائد العثماني «طورغوت» في الدفاع عن وشمال إفريقيا ضد الهجمات الأوروبية، وثيمتها الرئيسية تركز على الدفاع عن العالم الإسلامي واستعادة الفخر بالتاريخ البحري كما هو شأن «شمشون الجبار» الذي تزامن صدورها مع الذكرى الستين لنكبة فلسطين، وهي تعالج الصراع العربي الإسرائيلي وينطلق فيها سموه لتأكيد أحقية الفلسطينيين بأرضهم وبلادهم من قديم الزمان، وعبر ما خالط شخصية شمشون من أساطير وحكايات وقصص ترددت في كتب اليهود وذاعت في القصص والأفلام حتى الأزمنة الحديثة، والمسرحية تكشف عن الحقائق التاريخية وتدحض تزييف التاريخ.
القضية واقعية
«القضية» هي مسرحية تاريخية واقعية، كتبها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، لتتناول تاريخ الأندلس، وهي تركز على أحداث عصر ملوك الطوائف والانقسامات التي أدت إلى سقوط غرناطة، وتُظهر الصراع بين الماضي والحاضر عبر حوارات حول التاريخ وكيفية الاستفادة منه، كما تستعرض بداية عصر الدويلات والخلافات بين ملوك الطوائف التي أضعفت قوتهم ومهدت الطريق لدخول الأعداء، كما أنها تسعى إلى ربط التاريخ بالحاضر من خلال مناقشة ثيمات الصراع بين «صاحب القضية» والشاهد على التاريخ، بهدف استخلاص العبر من الماضي.
كذلك الأمر مع مسرحية «الواقع.. صورة طبق الأصل» التي تستخدم أحداثاً تاريخية لتحليل وتصوير الواقع العربي الراهن. إنها جزء من ثلاثية مسرحية تاريخية (تضم عودة هولاكو والقضية) وتعالج قضايا أساسية من منظور تاريخي وسياسي، وهي تهدف إلى إبراز أوجه التشابه بين أحداث تاريخية والواقع السياسي المعاصر.
متن النصوص
اشتغلت مسرحية «عودة هولاكو» على أحداث تاريخية مستوحاة من أحداث حقيقية، تتناول سقوط بغداد على يد المغول وتدور حول الخليفة المستعصم بالله. وتظهر كيف أدت عوامل مثل ضعف الخليفة وخيانة البعض إلى سقوط الخلافة، كما أنها تقدم دروساً حول الحكمة والتعامل مع التهديدات، أما موضوعها الأساسي، فيركز على سقوط الخلافة العباسية عام 1258م على يد هولاكو، وذلك من خلال تسليط الضوء على ضعف الخليفة المستعصم بالله وخيانة وزيره ابن العلقمي، كما تقدم رسالة هادفة حول أهمية الحكمة والحيطة، وكيف أن الضعف قد يؤدي إلى الهزيمة على مستوى الأفراد والمجتمعات، إضافة إلى التأكيد على استمرارية الحياة.
مقاربة مهمة
برع صاحب السمو حاكم الشارقة، في تقديم مسرح البطل فيه هو الشعر ومن ذلك مسرحيته «مجلس الحيرة» وهي تشكل إضافة فعلية إلى ما سبق وأنجزه سموه من أعمال مسرحية خالدة، وهذه المرة من خلال نص ماتع، وماكن، ويلعب فيه الشعر دوراً رئيسياً في توثيق الأحداث.
وقدم نص المسرحية مقاربة مهمة لدور الشعر في إمارة الحيرة في العصر الجاهلي، بوصفها كانت من أقوى الحواضر، وأكثرها استقراراً وأطولها عمراً، وأيضاً الأبلغ تأثيراً في عرب ما قبل الإسلام سواء في المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي أو العمراني، تلك المستويات التي كان من نتائجها قيام نهضة أدبية كان لعرب الحيرة وأمرائها أبلغ الأثر فيها.
وحرص سموه على إبراز شخصيات هذا العمل الكبير في نصه، وعلى رأسها الملك النعمان بن المنذر، الذي تدور في مجلسه في الحيرة، تفاصيل كثيرة تضيء على سطوع مجد عربي رفيع، بما فيه من حكمة وشجاعة وفروسية، وما اكتنزته هذه الفترة من قيم خالدة وساطعة على مر التاريخ.
عادات وتقاليد
كتب صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في مجالات عدة تمزج بين التاريخي والاجتماعي، كما هو في عملي «علياء وعصام» و«الرداء المخضب بالدم» وهاتان المسرحيتان تغوصان في العادات والتقاليد القبلية، وتخوضان في موضوعات مثل الحب والعشق، والثأر والتقاليد القبلية، وقوانين الشرف والنزال. كما تدور أحداثهما في بيئة قبلية قديمة.
ويهدف سموه من خلال هذا النوع من الأعمال إلى إبراز القيم والمبادئ الاجتماعية التي كانت تسود في تلك الحقبة الزمنية، خاصة في ما يتعلق بالمرأة أما الشخصيات فيها فواقعية وتعكس واقع الحياة الاجتماعية، وتجسد صراعات إنسانية واجتماعية معقدة، ويقدم سموه مثل هذه الأعمال باستخدام أسلوب درامي يعتمد على الصراع بين الشخصيات، وتطور الأحداث، والمفاجآت، ما يجعلها عملاً مسرحياً متكاملاً.
وتتناول مسرحية «علياء وعصام» صراع الحب والتقاليد القبلية، حيث تفرق حياة الغرام بين طفلين بسبب قوانين الثأر، وتستعرض قصة حب تنتهي بتراجيديا مؤلمة، حيث يضطر عصام لقتل والد علياء ثأراً لأبيه، ثم تقتل علياء نفسها وفاء لعصام بعد أن قتل نفسه أيضا ثأرا لها.
أما «الرداء المخضب بالدم» فتعكس روعة الماضي والتاريخ العربي، وتتحدث عن تلك القيم التي لم تغيرها السنوات، فقد ظلت راسخة في وجدان الإنسان العربي ينهل منها في كل حين، حيث الشجاعة والنخوة والمروءة والكرم تحولت إلى سمات يعرف بها البشر الذين ينتمون إلى هذه الجغرافية والثقافة والحضارة، والمسرحية تستند على الماضي لتستضر الراهن، وكأن نص سموه يود أن يؤكد أن الظروف مهما تراكمت في أفق الإنسان العربي، ونالت منه المتغيرات، فسوف يظل صاحب تراث راسخ وغني، وما أحوج البشر في عالم اليوم إلى تلك القيم والأخلاق الفاضلة التي حملها ذلك التراث الذي يحض على علو الهمة وإباء الضيم والشجاعة والإقدام والكرم ومواجهة المصاعب والتحديات بجلد وصبر وثبات.
الصورة الفنية
من يقرأ الصورة الفنية في مسرحيات صاحب السمو حاكم الشارقة، قراءة عميقة ومتفحصة، يجد أنها محكومة لفهم ومقاصد سموه من الكتابة خاصة أنها على تماس مع منصبة بصفته حاكماً أولاً وبصفته مؤرخاً ثانياً، وأديباً كذلك، وهذه الصفات تشكل هوية الكتابة عند سموه وهو الذي يمنح كتاباته عمقاً تاريخياً ووجودياً ونفسياً لا نجده في الكثير من المسرحيات التاريخية التقليدية، فالصورة الفنية هنا، هي بالضرورة انعكاس لذلك المزيج الفريد من تكوين سموه الثقافي بصفته مفكراً ومشغولاً بالهم الإنساني، وهو الذي يحتم عليه دائماً أن يكون دقيقاً، بل أميناً في معظم كتاباته وإخراجها في بناء درامي متقن.
ولتحليل الصورة الفنية في أعمال سموه، نجد أنها ترتكز على المضمون، وما تطرحه هذه الأعمال من أفكار رئيسية، والانطلاق من فكرة التاريخ كمرآة للحاضر والصراع الإنساني، فالمسرحيات التاريخية كما هو في «القضية» و«الواقع طبق الأصل» و«عودة هولاكو» لا تقدم التاريخ كسردية واحدة مقدسة، بل كساحة لصراع الرؤى والأصوات، وهي بهذا المعنى، تطرح أسئلة وجودية حول فكرة العدل والسلطة والهوية والحرية، ما يعني أن موضوع التاريخ هو تاريخ حواري وشخصية فاعلة تطرح أسئلة ملحة على الحاضر المعاش.
لمسات ملحمية
الشخصيات في أعمال سموه لا يتم التعامل معها بوصفها بطولية مطلقة، وإنما بصفتها شخصيات بشرية تحمل الكثير من النقائض وتحيط بها المؤامرات، وهذا هو سر الحبكة الدرامية في أعمال سموه المسرحية التاريخية التي تبحث غالباً عن العدالة المفقودة سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو وجودية، وهو الذي يجعل هذه الأعمال حية ومؤثرة في وجدان المشاهد المعاصر، والبناء الدرامي والشخصيات في هذه الأعمال يبنى على التوازن بين الملحمي والدرامي، وهو بناء درامي كلاسيكي متين، يتبع في كثير من الأحيان نموذج البداية والذروة والنهاية، لكنه كما يؤكد الخبراء يضيف لمسات ملحمية عبر المشاهد الجماعية و«الفلاش باك» والتعليق على الأحداث.
ومن حيث الصراع الداخلي، فشخصيات المسرحيات ليست مجرد رموز، بل كائنات تحمل صراعاتها الداخلية، من وخوف وطموح، ومشاهد هذه الأعمال من الجمهور العريض غالباً ما يتعاطف مع هذه الشخصيات حتى لو اختلف مع مواقفها التاريخية.
وتتنوع هذه الشخصيات التاريخية في تراتبها القيادية والاجتماعية من هرم القيادة إلى الشخصيات العامة كالشعراء والتجار والفلاحين، وهي تمثل صوت الضمير الجمعي، وربما تقدم من جهة ثانية وجهة نظر العوام من الناس، ما يضفي بعداً ديمقراطياً على الرواية التاريخية.
ومن مميزات الصورة الفنية في هذه الأعمال، اعتمادها على لغة أدبية شعرية وسلسة، وهي مقدمة بلغة فصيحة تمتزج فيها البلاغة العربية بسلاسة التعبير المعاصر.
الصورة الفنية في أعمال سموه توظف الرمز في تجاوز للحكاية التاريخية المباشرة، كما هو في مسرحية «عودة هولاكو» التي تحذر من غزو ثقافي وفكري معاصر، وغيرها من المسرحيات التي تعيد تأويل الأسطورة.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا