اقتصاد / صحيفة الخليج

تغيّر المعايير.. وأمريكا تدفع الثمن

غلوبال تايمز

في العصر الصناعي، لم يبدأ أيّ إعادة تشكيل للنظام العالمي ببيانٍ نظري، غالباً ما تنطلق التحولات الكبرى من تبديل البنى التحتية، وهجرة المعايير، وتراكم خيارات يومية تبدو صغيرة لكنها حاسمة، من هذا المنظور، ينسجم قرار كندا استيراد السيارات الكهربائية الصينية مع القوانين الأساسية للتجارة والتنمية الاقتصادية.
ووفق أحدث خطة تعديل أصدرتها وزارة التجارة الصينية، ستُمنح كندا حصة سنوية تبلغ 49 ألف سيارة كهربائية صينية، تتمتع بتعريفة «الدولة الأكثر تفضيلاً» بنسبة 6.1%، وهو ما يعني أن باب السوق الأمريكية الشمالية قد يبدأ بالانفتاح بهدوء أمام المارد الكهربائي الصيني.
يبدو أن واشنطن قلقة، وهو ما تكشَف على لسان النقل شون دافي، الذي قال: إن كندا «ستندم» على السماح بدخول السيارات الكهربائية الصينية إلى سوقها. لكن إذا نظرنا إلى الاتجاهات الراهنة في تطور صناعة السيارات الكهربائية عالمياً، فالأرجح أن من سيندم هم الأمريكيون أنفسهم.
لطالما جسّدت السيارة النموذج الأمريكي المتمثل في الإنتاج الموحد، والاستهلاك الواسع، ومجتمع الطبقة المتوسطة، ونمط الحياة في الضواحي، وقد لخّص مسؤول تنفيذي سابق في «جنرال موتورز» هذه الفلسفة بقوله الشهير ذات مرة: «ما يُفيد جنرال موتورز يُفيد أمريكا».
واليوم، مع تجاوز مبيعات «بي واي دي» السنوية مبيعات منافستها «تيسلا»، يشهد قطاع صناعة السيارات تحولاً جذرياً، وإزاحة عميقة في مراكز الثقل، هذا التحول لا يقتصر على نقل سلاسل الإمداد، بل يشير إلى استبدال شامل في أنماط الإنتاج والمعايير، وتحديث للبنى التحتية، وتغير في ثقافة الاستهلاك، بما يعكس انتقالاً تاريخياً جارياً.
الأرقام لا تجامل، فبحسب وكالة «أسوشيتد برس»، باعت «بي واي دي» في عام 2025 نحو 2.26 مليون سيارة كهربائية، مقابل 1.64 مليون ل«تيسلا»، وقفزت مبيعات السيارات الكهربائية في بنسبة 17%، وفي أوروبا 33%، بينما لم تتجاوز في الولايات المتحدة 1% فقط.
لقد تبدلت المعطيات حقاً، فعندما تحدّت الشركات اليابانية نظيراتها الأمريكية في ثمانينات القرن الماضي، كان التنافس يدور داخل النظام الصناعي ذاته، حيث يتفوق التلميذ على أستاذه، مع الالتزام بالقواعد والمعايير نفسها.
اليوم، المشهد مختلف تماماً، فصعود السيارات الكهربائية ليس تحسيناً لمحركات الاحتراق، بل إعادة كتابة كاملة للمنطق الصناعي. البطاريات، والبرمجيات، والبيانات، وسرعة التطوير، والتكامل مع الاقتصاد الأخضر، هذه هي المعايير الجديدة، وقد أحسنت الصين استغلالها، بل يمكن القول إنها صنعتها.
من استخراج وتكرير مواد البطاريات، إلى التصنيع الكامل للسيارات، مروراً بالبنية التحتية للشحن وبروتوكولات الاتصال الذكي، تشكّلت في الشرق سلسلة صناعية متكاملة تُظهر بصيرة استراتيجية وقدرة على الصمود.
اليوم، تُباع السيارات الكهربائية الصينية بأسعار تتراوح بين 10 و20 ألف دولار، بينما يقترب متوسط سعر السيارة الجديدة في الولايات المتحدة من ضعف ذلك، ويزيد في السيارات الكهربائية، ولا تعكس هذه الفجوة السعرية ميزة تكلفة فحسب، بل تقدماً تقنياً وكفاءة إنتاجية وتحولاً في تفضيلات المستهلكين.
وضعت هذه المعادلة الولايات المتحدة، التي كانت يوماً قوة عظمى في صناعة السيارات، في مأزق حقيقي، فاختارت الرد بإقامة حواجز تجارية وفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على السيارات الكهربائية الصينية، غير أن هذه السياسة قد تُسرّع التراجع الصناعي وتُبعد المستهلكين.
باختصار، هذا خيار بلا حلول مثالية، فتح السوق يعني تقبّل انحسار صناعي، وإغلاقه يعني التخلي عن مبادئ التجارة الحرة التي لطالما نادت بها واشنطن، أو حماية عمال الصناعة، وبالتالي سيدفع المستهلك الثمن.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا