قد تتساءلين كيف تُحضّرين طفلك لصيامه الأول في شهر رمضان؟ ببساطة ابدئي بحوار .. ابدئي بنقاش هادئ ومفتوح حول أسباب الصيام وما يمكن أن يتوقعه أطفالك. تحدثي عن كيفية الصيام من شروق الشمس إلى غروبها، واشرحي أهمية ملاحظتهم لحالة أجسامهم. طمئنيهم بأن الشعور بالجوع أو التعب أمر طبيعي، وأنه بإمكانهم دائماً اللجوء إليك إذا شعروا بأي انزعاج. وهنا بيت القصيد، ماذا إذا شعر طفلي بالفعل بمتاعب حقيقية بعد صوم ثلاثة أيام من شهر رمضان، هل أوقف الصيام؟
هذا ما تشرحه لك الدكتورة عبير خياط، استشارية طب الأطفال من مشفى فقيه الجامعي.
تؤكد الدكتورة عبير أن صيام الطفل لأول مرة في شهر رمضان يُعد محطة مهمة في حياته، لكنه في الوقت ذاته مرحلة دقيقة من الناحية الصحية. فبين الحماس الذي يعيشه الطفل وهو يقلد الكبار، ورغبة الأهل في تشجيعه على خوض التجربة، تبقى صحة الطفل ونموه السليم أولوية لا يمكن التهاون بها. تتابع الدكتورة عبير خياط: "الصيام في السنة الأولى يجب أن يكون تجربة تدريجية ومدروسة، تراعي الفروق الفردية بين الأطفال، وتُبنَى على أسس طبية واضحة تضمن السلامة قبل أي اعتبار آخر. فلا يوجد عمر محدد يمكن اعتباره العمر المثالي لبدء الصيام؛ إذ تختلف جاهزية الطفل للصيام بحسب بنيته الجسدية، معدل نموه، حالته الصحية العامة، وقدرته النفسية على تحمل الجوع والعطش".
بعض الأطفال في عمر ثماني أو تسع سنوات قد يكونون مستعدين لتجربة الصيام الجزئي، بينما قد لا يكون ذلك مناسباً لأطفال أكبر سناً يعانون من ضعف الوزن أو فقر الدم أو الإرهاق المتكرر. لذلك فإن تقييم الحالة الصحية لكل طفل على حدة يُعد خطوة أساسية قبل السماح له بالصيام.
إليك كيفية تحضير الأطفال للصيام لأول مرة في رمضان صحياً واجتماعياً
هل يرتبط الصيام بالعمر؟
الاستعداد للصيام، برأي الدكتورة عبير، لا يرتبط بالعمر فقط، بل بعدة مؤشرات صحية مهمة، منها:
- أن يكون الطفل ضمن المعدلات الطبيعية للطول والوزن، في عمر 8 سنوات مثلاً، يبلغ متوسط الطول الطبيعي للطفل (ذكر أو أنثى) حوالي 127 سم (يتراوح عادةً بين 117-138 سم)، بينما يتراوح الوزن الطبيعي الشائع بين 22 و30 كيلوجراماً تقريباً، مع معدل مثالي يقارب 26.3 كجم، مع ضرورة مراعاة العوامل الوراثية والفروق الفردية بين الذكر والأنثى.
- أن يتمتع بمستوى طاقة جيد خلال اليوم، ويُقدَّر من خلال ملاحظة مجموعة من المؤشرات السلوكية والجسدية التي تعكس توازنه الصحي؛ فالطفل الذي يمتلك طاقة مناسبة يستيقظ بنشاط نسبي دون خمول شديد، ويُظهر رغبة في الحركة واللعب عند الطفل والتفاعل مع من حوله، سواء في المدرسة أو المنزل، كما يستطيع التركيز في المهام المناسبة لعمره دون تشتت مبالغ فيه أو تعب سريع. ومن العلامات المهمة أيضاً ثبات المزاج؛ إذ لا يكون سريع الانفعال بسبب الإرهاق، إضافة إلى قدرته على إكمال أنشطته اليومية دون شكوى متكررة من التعب أو الصداع. ويرتبط مستوى الطاقة بعوامل أساسية مثل عدد ساعات النوم الكافية لعمره، وجودة التغذية المتوازنة التي تحتوي على الكربوهيدرات الصحية، البروتين، الدهون الجيدة، والخضروات والفواكه، إلى جانب شرب كمية كافية من الماء، فالجفاف قد يسبب انخفاض النشاط. كما أن ممارسة النشاط البدني المعتدل يومياً تساعد على تعزيز الحيوية بدلاً من استنزافها.
- ألا يعاني من أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى أو اضطرابات الجهاز الهضمي. قد تمنع الطفل من الصيام إذا كان الصوم يشكل خطراً على صحته، يسبب مضاعفات، أو يمنعه من تناول أدوية ضرورية. يجب استشارة الطبيب لتحديد القدرة على الصيام، حيث يعتبر الطفل معذوراً ويجب إفطاره إذا كان الصيام يضر بصحته.
- كما يجب أن يكون الطفل قادراً على التعبير عن شعوره بالتعب أو الدوخة أو العطش الشديد، حتى يتمكن الأهل من التدخل في الوقت المناسب. لذلك أنشئي مساحة آمنة توضحين لهم من خلالها بأن جميع المشاعر مقبولة. شجعي طفلك على التعبير عن مشاعره بصراحة، من دون حكم أو انتقاد. قومي بإنشاء مساحة آمنة، حيث يمكنهم مشاركة أفراحهم ومخاوفهم وكل ما يشعرون به. وعندما يحسون بالاستماع والفهم، يزدهر الذكاء العاطفي عند الأطفال.
ماذا عن الصيام الجزئي .. هل يضر بالصحة؟
تؤكد الدكتورة عبير، أنه في السنة الأولى للطفل، يُعد الصيام الجزئي الخيار الأكثر أماناً وتوازناً. الهدف ليس عدد الساعات التي يصومها الطفل، بل تعويده تدريجياً على مفهوم الصيام دون تعريضه لمخاطر صحية. يمكن تطبيق الصيام الجزئي بطرق متعددة، مثل الصيام من السحور وحتى الظهر، أو حتى العصر، أو اختيار أيام محددة خلال الأسبوع بدلاً من الصيام اليومي. هذا التدرج يسمح لجسم الطفل بالتكيف تدريجياً ويقلل من خطر انخفاض مستوى السكر في الدم أو الإصابة بالجفاف.
من الناحية الفسيولوجية، يختلف جسم الطفل عن جسم البالغ. فمعدل الأيض لدى الأطفال أعلى، واحتياجاتهم للطاقة والسوائل مستمرة لدعم النمو البدني والعقلي. لذلك فإن مخزون الطاقة لديهم أقل نسبياً، وتأثرهم بنقص السوائل أو انخفاض السكر يكون أسرع. قد تظهر أعراض مثل الصداع، الدوخة، ضعف التركيز، العصبية، أو الخمول إذا لم يتم تنظيم الوجبات بشكل صحيح.
ما هي شروط الصيام الآمن للطفل؟
1- عدم تجاوز وجبة السحور
وجبة السحور للأطفال تُعد حجر الأساس في صيام الطفل. إهمالها أو تقديمها بشكل غير متوازن من أكثر الأخطاء شيوعاً. السحور الصحي يجب أن يحتوي على كربوهيدرات معقدة مثل الشوفان أو خبز الحبوب الكاملة لتوفير طاقة ممتدة، إضافة إلى البروتينات مثل البيض أو الحليب أو الزبادي لدعم الإحساس بالشبع لفترة أطول. كما يُنصح بإضافة كمية معتدلة من الدهون الصحية مثل زيت الزيتون أو المكسرات، إلى جانب فواكه غنية بالماء لتعزيز الترطيب.
في المقابل، يجب تجنب الأطعمة المالحة التي تزيد الشعور بالعطش، والسكريات العالية التي تسبب ارتفاعاً سريعاً في مستوى السكر يتبعه هبوط مفاجئ، إضافة إلى المشروبات الغازية أو المحتوية على الكافيين.
2- قواعد أساسية لوجبة الإفطار التزمي بها
عند الإفطار، يكون جسم الطفل بحاجة إلى تعويض السوائل والطاقة بشكل تدريجي ومدروس. من الأفضل البدء بكوب ماء وتمر أو فاكهة، ثم الانتظار لبضع دقائق قبل تناول الوجبة الرئيسية. الإفطار المتوازن يجب أن يشمل مصدراً جيداً للبروتين مثل الدجاج أو السمك أو البقوليات، إلى جانب نشويات صحية وخضروات طازجة أو مطبوخة. الاعتدال في تناول الحلويات ضروري لتجنب اضطرابات الجهاز الهضمي وتقلبات السكر والخمول عند الطفل.
3- اجعلي شرب الماء هدف طفلك
الترطيب بين الإفطار والسحور عنصر أساسي في حماية الطفل من الجفاف، خاصة في الأجواء الحارة. يجب تشجيعه على شرب الماء على فترات متقطعة، وعدم الاعتماد على العصائر الصناعية أو المشروبات المحلاة. الشوربات والفواكه الغنية بالماء مثل البطيخ والبرتقال تُعد وسائل فعالة لتعويض السوائل.
4- لا تتهاوني بتنظيم النوم
تنظيم النوم لا يقل أهمية عن التغذية. قلة النوم تؤثر على تركيز الطفل وقدرته على تحمل الصيام، وقد تزيد من شعوره بالإرهاق والعصبية. يُفضل تقليل السهر وضمان حصول الطفل على عدد كافٍ من ساعات الراحة، مع تجنب الأنشطة البدنية المجهدة خلال ساعات الصيام، والسماح بنشاط خفيف بعد الإفطار، تنظيم نوم الطفل في رمضان يتطلب تعديلاً تدريجياً لجدول النوم والاستيقاظ بمقدار 15-30 دقيقة كل يومين أو ثلاثة. يفضل تثبيت روتين نوم مهدئ، وتأخير وقت النوم ليلاً ليتناسب مع الإفطار والسحور، مع ضمان الحصول على قيلولة نهارية بين الساعة 2-5 مساءً. حافظي على غرفة مظلمة وباردة، وقللي الشاشات قبل النوم.
ما هي العلامات التحذيرية التي تستوجب إيقاف صيام الطفل فوراً؟
هناك علامات تحذيرية تستوجب إيقاف الصيام فوراً، مثل:
الدوخة الشديدة:
وهي إحساس مفاجئ بالدوار، الدوران، أو فقدان التوازن، قد يصاحبه غثيان، تعرق، شحوب، أو شعور بالإغماء، وتنتج عادة عن أسباب شائعة مثل الجفاف عند الطفل، انخفاض السكر، أو مشاكل الأذن الداخلية. تستوجب إيقاف الصيام فوراً إذا ترافقت مع صداع شديد، صعوبة في التنفس، أو ألم في الصدر.
الإغماء:
وهو فقدان مؤقت ومفاجئ للوعي مع ارتخاء الجسم، ناتج عن نقص مؤقت في تدفق الدم إلى الدماغ، وعادةً ما يستعيد الطفل وعيه تماماً خلال دقائق. هو شائع جداً قبل سن 15 عاماً، وغالباً ما يكون سببه حميداً (كالجفاف، الوقوف طويلاً، الخوف، أو ألم) ولا يشكل خطراً، لكنه قد يكون أحياناً مؤشراً على مشاكل قلبية أو عصبية تستوجب الفحص، وإيقاف الصيام.
الصداع المستمر:
وهو ألم متكرر في الرأس عند الطفل يظهر غالباً كصداع توتري (عصابة مشدودة) بسبب التوتر، أو صداع نصفي، أو ناتج عن إجهاد العين، الشاشات، الجفاف، أو العدوى. غالباً ما يكون غير خطير، ولكنه يتطلب فحصاً طبياً إذا كان يوقظ الطفل من النوم، يتكرر بكثرة، أو يغير سلوكه، وهنا يجب إيقاف الصيام.
الشحوب الواضح:
ويعني عدم الحصول على العناصر الغذائية الكافية يمكن أن يؤثر على النمو ويسبب الشحوب. مشاكل في النوم: قلة النوم عند الطفل أو النوم غير المنتظم قد يسبب الهالات السوداء تحت العينين. ويمكن أن تكون له أسباب مختلفة مثل فقر الدم، والذي يحدث عندما يكون هناك نقص في خلايا الدم الحمراء أو الهيموجلوبين في الدم.
التعرق البارد:
وهو تعرق مفاجئ، لزج، وبارد الملمس يحدث دون مجهود بدني أو حرارة عالية، وغالباً ما يشير إلى استجابة الجسم للخوف، الألم الشديد، العدوى، أو انخفاض السكر. يترافق عادة مع شحوب، برودة أطراف، ورجفة، ويستدعي إيقاف الصيام إذا تكرر أو صاحبه ضيق تنفس أو إغماء.
القيء:
وهو خروج محتويات المعدة بقوة وبشكل غير إرادي عبر الفم، وغالباً ما يكون عَرَضاً لعدوى فيروسية، تسمم غذائي عند الطفل، أو حساسية، وليس مرضاً بحد ذاته. ويستمر عادة يوماً أو يومين، مسبباً فقدان السوائل (الجفاف)، مما يتطلب تعويض السوائل بمحاليل الجفاف، لذلك يكون الإفطار ضرورياً.
آلام البطن الشديدة:
وهي تنتج بشكل شائع عن اضطرابات هضمية عند الطفل، مثل الإمساك، الغازات، حرقة المعدة الناتجة عن ارتجاع المريء، أو التهابات المعدة والأمعاء. تعود هذه الآلام غالباً إلى الجفاف بسبب قلة شرب الماء، الإفراط في تناول الدهون والأطعمة الدسمة عند الإفطار، أو سرعة تناول الطعام.
في هذه الحالات يجب كسر الصيام فوراً واستشارة الطبيب عند الحاجة. لا ينبغي أبداً اعتبار إيقاف الصيام فشلاً، بل هو قرار صحي مسؤول يحمي الطفل من مضاعفات محتملة.
هل العامل النفسي يستوجب إيقاف صيام الأطفال؟
تشير الدكتورة عبير خياط إلى أن الجانب النفسي لا يقل أهمية عن الجانب الجسدي. بعض الأطفال يشعرون بالفخر والإنجاز عند إتمام الصيام، بينما قد يشعر آخرون بالضغط أو القلق من عدم القدرة على الاستمرار. دور الأهل هو الدعم دون إجبار، وتشجيع الطفل على المحاولة دون مقارنته بأقرانه. يجب تعزيز مفهوم أن الحفاظ على الصحة جزء من القيم الدينية، وأن الصيام عبادة تقوم على الاستطاعة والرحمة.
كما يُنصح بأن يكون الحوار مفتوحاً مع الطفل حول تجربته اليومية أثناء الصيام، وسؤاله عن شعوره بالطاقة أو التعب، ومراقبة سلوك الطفل الدراسي ومستوى تركيزه. في حال تأثر الأداء المدرسي أو ظهرت علامات إجهاد واضحة، يمكن تقليل عدد ساعات الصيام أو العودة إلى الصيام الجزئي.
تعلّق د. عبير: "في النهاية، صيام الطفل في عامه الأول يجب أن يكون تجربة إيجابية وآمنة. الهدف ليس اختبار قدرته على التحمل، بل بناء علاقة صحية ومتوازنة مع الصيام، تحمي نموه الجسدي والعقلي، وتُرسخ في داخله معاني الانضباط والمسؤولية عند الأطفال بروح من الوعي والرعاية الطبية السليمة".
*ملاحظة من «سيدتي»: قبل تطبيق هذه الوصفة أو هذا العلاج، عليك استشارة طبيب متخصص

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سيدتى ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سيدتى ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
