تابع قناة عكاظ على الواتساب
في أي منظومة عدلية تُبنى على فكرة الدولة وسيادة النظام، لا يُنظر إلى المحامي باعتباره مجرد ممثلٍ لطرف في خصومة، بل بوصفه أحد أركان العملية القضائية ذاتها. فالمحاماة ليست حضوراً شكلياً إلى جوار موكل، ولا صوتاً إضافياً في قاعة المحكمة، وإنما ممارسة لحق أصيل في الدفاع، وتجسيد لمبدأ تكافؤ الفرص أمام القضاء. المحكمة لا تقوم بالقاضي وحده، ولا يكتمل ميزانها إلا بحضور من يصوغ الحجة، ويؤطر النزاع داخل حدوده القانونية، ويُعيد الخصومة من دائرة الانفعال إلى مسارها النظامي الرشيد. ومن هنا، فإن المساس بالمحامي أثناء أداء عمله لا يُقرأ كواقعة فردية، بل كإشارة تمس توازن المنظومة بأكملها.
الحادثة التي شهدتها إحدى المدن العربية مؤخراً، وراح ضحيتها محامية أثناء مباشرتها تنفيذ حكم قضائي في نزاع عقاري، تشير وفق ما تداولته التقارير إلى تعرضها لاعتداء جسيم أثناء وجودها في موقع التنفيذ، أدى إلى سقوطها من شرفة العقار محل التنفيذ، ما أفضى إلى وفاتها، في واقعة ما تزال محل نظر الجهات المختصة. هذه التفاصيل، على قسوتها، لا ينبغي أن تُستحضر بوصفها مادة صادمة، بل باعتبارها لحظة كاشفة تعيد طرح سؤال جوهري: هل تحظى منظومة العدالة، بكل أطرافها، ببيئة عمل آمنة خارج أسوار المحاكم؟
المحامي، بحكم دوره، يتحرك في مناطق التوتر: نزاعات أسرية محتدمة، خلافات مالية متشابكة، ملفات تنفيذ تلامس مصالح حساسة. وهو يفعل ذلك لا بوصفه خصماً، بل بصفته وكيلاً يمارس حقاً أصيلاً للمتقاضي في الدفاع والتمثيل. غير أن الوعي المجتمعي أحيانًا يختزل الصورة، فيرى في المحامي امتداداً لخصومة موكله، لا عنصراً مهنياً داخل إطار نظامي منضبط. وهنا يكمن الخطر؛ لأن تحويل المحامي إلى «طرف شخصي» في النزاع يعني تجريد العدالة من أحد أعمدتها المهنية.
فالأنظمة الحديثة في جوهرها لا تحمي الأشخاص فحسب بقدر ما تحمي الأدوار. فكما تُشدد العقوبات على من يعتدي على القاضي أو رجل الضبط أثناء أداء عمله، فإن المنطق ذاته يقتضي حماية المحامي وهو يمارس وظيفة العدالة. الاعتداء عليه بحكم مهنته يتجاوز الإطار الشخصي ليصبح مساسًا بحق التقاضي، وبمبدأ المساواة أمام القضاء، وبهيبة الحكم الذي صدر باسم النظام.
ومع ذلك، يكشف الواقع العملي أحياناً فجوة بين النصوص وبين بيئة التنفيذ الميداني. فملفات التنفيذ، على وجه الخصوص، قد تشهد احتكاكات مباشرة في بيئات مشحونة، حيث تختلط الانفعالات بالمصالح، وتتجاوز الخصومة حدودها القانونية. وهنا يبرز سؤال التنظيم لا العاطفة: هل تُفعّل المرافقة الأمنية في القضايا الحساسة؟ هل تُقيّم المخاطر مسبقاً قبل مباشرة التنفيذ في نزاعات عالية التوتر؟ هل تُدرج سلامة أطراف المنظومة ومنهم المحامون ضمن اعتبارات التخطيط الإجرائي؟
ولعل من المناسب، في ضوء ما تكرره مثل هذه الحوادث في بعض البيئات، التفكير في جملة من الإجراءات المؤسسية التي تعزز مناعة المنظومة دون تضخيم أو مبالغة. من ذلك: وضع بروتوكولات واضحة لتقييم المخاطر في ملفات التنفيذ ذات الحساسية العالية، وتفعيل التنسيق المسبق بين المحامين وجهات التنفيذ في المواقع التي يُتوقع فيها احتكاك مباشر، وتغليظ الوصف النظامي للاعتداء على من يمارس وظيفة العدالة أثناء أداء مهمته. كما يمكن أن يكون من المفيد إدراج برامج توعوية تعيد ترسيخ الفارق بين الخصومة وبين شخص المحامي، حتى لا يُختزل دوره في وعي بعض الأطراف إلى صورة «خصم» بدل كونه جزءًا من إطار نظامي يحمي الجميع.
هذه المقترحات ليست امتيازاً لفئة مهنية، بل استثمار في استقرار العدالة ذاتها. فالمنظومات الراسخة لا تنتظر الحوادث لتراجع أدواتها، بل تتعلم منها لتعزيز جاهزيتها.
فالثقة هي رأس مال العدالة. وحين يشعر المجتمع أن المحامي يؤدي دوره في بيئة آمنة، وتحت مظلة نظام يحمي الوظيفة لا الأشخاص، فإن الرسالة تكون أوضح: أن الدولة تحمي مسار العدالة من بدايته إلى نهايته، وأن تنفيذ الأحكام ليس ساحة مواجهة، بل امتداد طبيعي لحكم صدر باسم القانون.
كما أن المحامي ليس طرفًا في النزاع، حتى وإن وقف في صف أحد أطرافه. هو ركيزة في النظام، وضمانة لإعمال الحق في الدفاع، وصمام أمان يحول دون انزلاق الخصومة إلى فوضى. وحين تُصان هذه الركيزة، تُصان معها هيبة الحكم، ويترسخ في الوعي العام أن العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل منظومة تُحمى... وتُمارس... وتُصان في كل مراحلها.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
