فن / اليوم السابع

ناهد صلاح تكتب: كان يا ما كان .. الاستقرار وحده لا يكفى

"كان يا ما كان"، ليس مجرد عنوان لمسلسل يدور حول حدوتة اجتماعية، ربما مر بها أغلبنا، إنما هو أيضا ذلك العنوان الذي يمتلك دلالات عدة، هو العنوان الذي يتحول إلى سؤال وجودي عن الحب والملل والاختيار.

عادة، يبدأ السرد وتستهل الحدوتة بعبارة "كان يا ما كان"، بوصفها مدخلاً لحكاية منتهية، حكاية تنتمي إلى الماضي، إلى عالم مغلق انتهى بالفعل. لكن المفارقة أن "كان ياما كان" إخراج كريم العدل وتأليف شيرين دياب لا يروي حكاية انتهت، بل يحكي عن حكاية تنهار الآن، أمام أعيننا.


العنوان هنا ليس استعارة طفولية، بل صيغة رثاء مبكر لعلاقة زوجية كانت مستقرة في ظاهرها، لكنها في جوهرها كانت تموت ببطء تحت وطأة الرتابة، كأن المسلسل يطرح سؤاله الملح: متى تتحول الحياة إلى حكاية بصيغة الماضي؟ ومتى يصبح الزواج نفسه "كان"؟.


يأتي تتر المسلسل بصوت مدحت صالح ليضاعف من هذه الدلالة، إذ يعيد تقديم الأغنية الشهيرة "كان ياما كان" التي ارتبطت بصوت ميادة الحناوي وألحان بليغ حمدي. هذه الاستعادة ليست مجرد توظيف لحن ناجح من الذاكرة الطربية، بل استدعاء لذاكرة وجدانية كاملة.


النسخة الجديدة بصوت مدحت صالح تحتفظ بالشجن الأصلي، لكنها تمنحه مسحة أكثر هدوءاً وتأملاً، كأنها تنظر إلى الحكاية من مسافة زمنية أبعد،هكذا يصبح التتر جسراً بين ماضٍ طربي راسخ وحاضر درامي متوتر، ويغدو العنوان محملاً بطبقات إضافية من المعنى: كان يا ما كان.. ليس فقط في الحكاية، بل في الأغنية ذاتها التي تعود لتُروى بصوت مختلف، وإحساس مختلف، وسياق أكثر وجعاً.


المثير في هذا المسلسل، وهو الأمر الملحوظ منذ البداية، أنه قلب المعادلة المألوفة حول المرأة التي ترفض دور الضحية، فالدراما الاجتماعية المصرية لطالما قدمت نموذج الزوجة المقهورة والزوج القاسي، أو العكس في إطار ميلودرامي تقليدي.


لكن "كان يا ما كان" يذهب إلى منطقة أكثر تعقيداً وأتصورها كذلك أكثر صدقاً: امرأة عادية لا تتعرض لعنف صريح، ولا لخيانة مؤكدة، لكنها تختنق، لا تشعر بأهميتها، ولا بوجودها أساسا، إنها كائن غير راسخ، بالرغم من الاستقرار الشكلي لحياتها. شخصية "داليا" (يسرا اللوزي) ليست متمردة بالمعنى الصريح، بل امرأة تبحث عن نفسها بعد خمسة عشر عاماً من التآكل البطيء في علاقة زوجية لم تمنحها ثباتها، لم تثقل شخصيتها بمتانة ما تعبر عن احتياجاتها وقوتها كإنسانة لها استقلاليتها وحضورها الخاص والمؤثر، لذا فإن قرارها بالطلاق ليس هروباً من رجل شرير، بل محاولة إنقاذ ذاتها من العدم العاطفي.
هنا تكمن جرأة العمل: الاعتراف بأن الملل الزوجي أزمة حقيقية، وأن فقدان الشغف قد يكون أشد قسوة من الخيانة، فالمسلسل لا يدين المرأة ولا يبرئها، بل يضعها في مساحة إنسانية قلقة، حيث الحرية لها ثمن، والرغبة في البداية الجديدة ليست دائماً بطولية.


من ناحية أخرى واستكمالا للخط الدرامي للمسلسل، فإنه يقدم نموذج الرجل المصدوم، أو ما يمكن أن نصفه في المقابل بـ"هشاشة الذكورة الهادئة"، إن جاز هذا التوصيف، حيث يقدم ماجد الكدواني واحداً من أكثر أدواره نضجاً وحساسية من خلال تجسيده شخصية "مصطفى"، رجل ظن أن الاستقرار يكفي، وأن القيام بالواجبات اليومية ضمان لاستمرار الحب.


الكدواني لا يؤدي شخصية رجل مهزوم، بل رجل لم يفهم قواعد اللعبة. صدمته ليست في الطلاق بقدر ما هي في إدراكه المتأخر أن الحب يحتاج إلى تجديد مستمر، أداؤه قائم على التفاصيل الصغيرة: نظرة زائغة، مستفهمة، باحثة عن أي خيط نجاة، صمت ثقيل، محاولات مرتبكة لاستعادة ما فقد.


العمل هنا ينجح في تفكيك صورة "الزوج الصالح" التي قد تخفي غياب الحضور العاطفي، مصطفى ليس سيئاً، لكنه غير منتبه، وهذا ما يجعل المأساة أكثر واقعية.. بين هذين الطرفين الرئيسين، المشدودين على آخرهما، تقف الابنة، الصبية، الضحية الصامتة، الضائعة في قلب هذا النزاع، تمكث الابنة الوحيدة عند نقطة صعبة، ممزقة بين عالمين مضطربين، هنا يطرح العمل سؤالاً أخلاقياً معقداً: هل يحق للفرد أن يسعى لسعادته الشخصية إذا كان الثمن هو اهتزاز عالم طفل؟.


من هذا السؤال، ربما ندرك أن المسلسل ينتمي إلى نوعية الدراما الاجتماعية النفسية التي تعتمد على التفاصيل الدقيقة لا على الانفعالات السطحية المفتعلة، حيث يرصد أزمة منتصف العمر، والاكتئاب الصامت داخل علاقة مستقرة، ما يعني أنه يبرز وهم "الاستقرار الشكلي"، هذا ما عبرت عنه شيرين دياب بحس تحليلي، يبني الصراع تدريجياً، دون قفزات درامية فجة.


كما تظهر بصمة المخرج كريم العدل: هادئاً، متأملاً، يعتمد على الكادرات القريبة التي تلتقط اهتزاز المشاعر، لا يوجد هذا الضجيج البصري، ولا الإزعاج الذي يمكن أن تصنعه موسيقى تبتز دموع المشاهد، بل مساحة تسمح للصمت بأن يتكلم.


هنا لابد من الإشارة للموسيقى التي وضعها الموسيقار خالد الكمار، موسيقى لا تتقدم المشهد لتقوده، بل تسير بمحاذاته، تعتمد على جُمل لحنية قصيرة، متكررة، أقرب إلى النبض الداخلي للشخصيات، مع توظيف واضح للآلات الوترية في طبقات منخفضة تعكس الثقل النفسي، يقابلها أحياناً بيانو شفيف يفتح نافذة أمل عابرة، لا توجد تصاعدات صاخبة، بل بناء تدريجي يوازي البناء الدرامي نفسه.


الموسيقى هنا ليست خلفية، بل تعليق عاطفي خافت، يعمق الإحساس بالتآكل البطيء للعلاقة، ويمنح لحظات الصمت معنى إضافياً، كأنها تقول ما تعجز الشخصيات عن قوله.


العدل ينجح في خلق إيقاع تصاعدي بطيء، يعكس تآكل العلاقة كما يحدث في الواقع: بلا انفجارات مفاجئة، بل بتراكمات.


ثمة ملمح آخر يخص البيوت في المسلسل، فهي ليست ديكوراً، بل امتداد نفسي للشخصيات، مساحات منظمة لكنها باردة، مرتبة بلا دفء، حتى الإضاءة تميل إلى الحياد، كأنها تعكس فقدان الحرارة العاطفية.


كل هذه التفاصيل صنعت نوعاً من التواصل القوي مع المسلسل، لأنه لم يأتِ من إثارة، بل من زاوية واقعية، صادقة، زاوية لامست واقعاً مسكوتاً عنه تتعلق بالملل داخل الزواج المستقر، الجمهور المتفاعل رأى نفسه، هنا تكمن قوة الدراما الاجتماعية الحقيقية: أن تكون مرآة لا محكمة. بهذا المعنى، فإن "كان يا ما كان" ليس عن الطلاق، بل عن معنى البقاء.


في جوهره، المسلسل لا يتحدث عن الطلاق بقدر ما يتحدث عن سؤال أعمق: كيف نحافظ على الحب بعد أن يتحول إلى عادة؟
ومتى يصبح البحث عن الذات ضرورة، لا أنانية؟..
لا يقدم المسلسل إجابات جاهزة، بل يتركنا أمام كشف مؤلم: ربما كل علاقة لا تُجدد نفسها، تتحول ببطء إلى حكاية تُروى بصيغة الماضي.

كل ما يخص 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026

 

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا