تابع قناة عكاظ على الواتساب
«الثقة» من أسمى القيم الإنسانية، وأكثرها حضوراً في العلاقات الاجتماعية، خصوصاً في المجتمعات القائمة تعاملاتها على حسن الظن والتقارب، غير أن الإشكال لا يكمن في «الثقة» نفسها بوصفها قيمة أخلاقية، بل في الإفراط بها، وتحميلها ما لا تحتمله في البيئات التي تحكمها الأنظمة، وتُفصل فيها الحقوق بالأدلة والمستندات.
تكشف الممارسات القضائية أن عدداً غير قليل من النزاعات لم ينشأ عن سوء نية أو خلاف مقصود، بل بعبارة متداولة وبسيطة (بيننا ثقة)، تُقال غالباً بحسن قصد فتتحول عند أول خلاف إلى عبء إثباتي ثقيل.
إن القضاء لا يحكم بالنيات، ولا أن يُقيم وزنه على العلاقات الشخصية أو المعرفة السابقة، وإنما يفصل في النزاع بما هو ثابت ومُثبت نظاماً، وهنا تبرز مفارقة لافتة: (مجتمع يُعلي من شأن الثقة في معاملاته، ومنظومة عدلية لا تعترف إلا بما هو موثَّق).
وغياب التوثيق لا يضعف المراكز القانونية فحسب، بل يفتح المجال لنزاعات كان بالإمكان تفاديها، ويحوِّل علاقات مستقرة إلى خصومات طويلة، لا لخلل في النوايا، بل لسوء تقدير لمكان الثقة وحدودها النظامية.
ولا يقتصر الأثر على الجانب العدلي وحده، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث قد تُمنح الثقة دون وعي بعواقبها، أو تُستغل في غير موضعها، بما يعرِّض الحقوق لمخاطر كان يمكن الحد منها بإجراءات نظامية بسيطة.
ومن هنا؛ تتضح أهمية العدالة الوقائية، وهي العدالة التي لا تنتظر نشوء النزاع لتفصل فيه، بل تسعى إلى منعه قبل وقوعه، عبر تعزيز ثقافة التوثيق، وربط حفظ الحقوق بالإجراءات النظامية لا بالاعتبارات الشخصية وحدها. فالتوثيق لا يُعد نقيضاً للثقة، بل صورتها الأكثر نضجاً، ولا ينتقص من القيم، بل يحميها من أن تتحول إلى سبب للنزاع.
ويبقى التساؤل الأهم: كم نزاعاً كان يمكن ألا يرى النور، لو وُثِّقت الحقوق في وقتها؟
«التوثيق» ليس نقيضاً للثقة إنما صورتها الأكثر نضجاً
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
