د.عبدالعظيم حنفي*
تفيض مراكز دراسات غربية في الحديث عما تصفه بـ«تدهور الاقتصاد الصيني». ومنطقها في ذلك يستند للعديد من العوامل أهمها:
1-مضى عهد النمو بمعدلات تساوي رقمين (فوق 9%) والذي تمتع به اقتصاد الصين على مدى عقود. وقد سجل الاقتصاد الصيني نسبة نمو بلغت 5% في عام 2025، بما يتماشى مع الهدف السنوي للحكومة البالغ «حوالي 5%». وحققت الصين فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي، رغم الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد ثاني أكبر اقتصاد في العالم. لكن أظهرت البيانات الصينية كذلك تسجــــيل تباطـــؤ اقــــتصادي في الربع الأخير، حــيث سجلت البلاد نمواً بنسبة 4.5% فقط مقارنة بالعام السابق، وهو أبطأ معدل نمو ربع سنوي منذ نهاية عام 2022.
2- بلغ المعدل الرسمي للبطالة وسط الشباب 15%. ويعاني الاقتصاد الصيني مشكلات كما انهار قطاع العقارات.
3-تظهر البيانات تفاقم ظاهرة شيخوخة في المجتمع الصيني عام 2025، حيث بلغ عدد السكان الذين تزيد أعمارهم على 60 عاماً 323 مليون نسمة، أي ما يعادل 23% من إجمالي السكان، بزيادة نقطة مئوية واحدة عن عام 2024. ووفقاً لتوقعات الأمم المتحدة، قد يتجاوز عمر نصف سكان البلاد تقريباً سن الستين بحلول عام 2100، وهو واقع له تداعيات بعيدة المدى، على الاقتصاد الصيني، وسعت الحكومات المحلية في السنوات الأخيرة تقديم مجموعات من الحوافز لرفع معدلات المواليد.
4- عبرت تحليلات ومقالات غربية عن الشعور السائد بانكماش الاقتصاد الصيني وظهر مقال بإحدى الصحف الأمريكية ذائعة الصيت بعنوان «إنه عالم ما بعد الصين الآن». وسبق أن وصف الرئيس السابق جو بايدن، الصين بـ«القنبلة الموقوتة القابلة للانفجار». وأشار إلى أن بكين «ربما ليست لديها القدرات نفسها التي كانت تمتلكها في السابق».
هل من مصلحة الغرب أن تفشل الصين؟
بعض المراكز الدراسية تتساءل هل من مصلحة الغرب أن تفشل الصين؟ وأيدت تحليلات قليلة فشل الصين بناء على اعتبارها بلداً مهدداً لاستمرار وضع الولايات المتحدة رقم (1 ) في العالم، وتلك الأقلام لا ترغب في أن ترى اقتصاد الصين وهو ينمو بسرعة.
لكن الأغلبية ترى أن استمرار نجاح الاقتصاد الصيني يخدم مصالح الغرب ولديهم حجج معقولة:
1-أن الصين جزء ضخم من اقتصاد العالم. وإذا دخلت الصين في انكماش اقتصادي فالعالم قريب جداً من دخول اقتصاد العالم أيضاً في انكماش. وإذا انهارت الصين (مثلا إذا انهار قطاعها العقاري) ستنتشر آثار ذلك الانهيار في النظام المالي العالمي. ثم هنالك السؤال الأخلاقي. عدد سكان الصين أكثر من 1.4 بليون صيني لا يزال البعض منهم فقراء. ولا يوجد من يرغب في أن يراهم يزدادون فقراً.
2- يشكل كل من الطلب والاستثمار من الصين أهمية بالغة لبلدان في إفريقيا والأمريكتين. حيث تُعَدُّ الصين اليوم الشريكَ التجاري الأول لكلٍّ من بيرو وتشيلي والبرازيل والأوروجواي وثاني أكبر شريك تجاري لدول أخرى في أمريكا اللاتينية. وارتفع إجمالي حجم التجارة بين الصين ودول أمريكا اللاتينية من نحو 18 مليار دولار عام 2002 إلى نحو 449 مليار دولار عام 2021. وبلغت قيمة واردات الصين من دول أمريكا اللاتينية 221 مليار دولار عام 2021، في حين وصلت قيمة الصادرات الصينية إلى تلك المنطقة نحو 228 مليار دولار عام 2021.
أما في إفريقيا, فقد لعبت مبادرة الحزام والطريق (BRI) دوراً أساسياً في الجهود الصينية لتوجيه استثمارات البنية التحتية إلى إفريقيا؛ وبلغ حجم وقيمة المشروعات التي تحمل شعار «الحزام والطريق»، نحو 838 مليار دولار بحلول نهاية عام 2021. كما أن الصين ضخت استثمارات بقيمة 39 مليار دولار في القارة الإفريقية خلال عام 2025، وذلك في إطار مبادرة «طرق الحرير الجديدة».
3- تتمتع الصين بوفرتها المالية، وقوة وتنافسية صادراتها وتنوعها دولياً بشكل لا ينافس. وأهم من هذا كله توافر ملاءة مالية هائلة يكفي أن مخزوناتها تعادل الناتج السنوي الألماني تقريباً. ولهذا استحقت الصين الآن صفة «مصرفي العالم» لأنها تضع في جرابها من النقود ما يجعل مختلف الاقتصادات الكبرى رهينة لديونها، أو لاستثماراتها. وفي كلتا الحالتين: توفير القروض، وضخ الاستثمارات، لا تجد الصين أية قوة اقتصادية غربية قادرة على منافستها في المرحلة الراهنة.
4- مجموعة متزايدة من البلدان تعتبر الصين وليس الولايات المتحدة، شريكها التجاري الرئيسي. وهناك الجوانب البيئية للاتكالية المتبادلة، والتي تجعل الانفصال مستحيلاً. فلا قِـبَـل لأي دولة بالتصدي وحدها لتحدي تغير المناخ، أو التهديد الذي تفرضه الجوائح الـمَـرَضية، أو غير ذلك من المشكلات العابرة للحدود الوطنية.
5- لقد تغير الخط الفاصل بين البقاء والعيش الرغيد. فما كان يُعتبر ترفاً بالأمس يُصبح ضرورة اليوم. والهواتف الذكية، التي كانت رمزاً للثراء، أصبحت الآن أدوات أساسية في الحياة اليومية. وينبغي أن تُبنى السياسات الاقتصادية والسلوك الاقتصادي للأفراد على هذا الواقع. وهنا ضرورة التعاون مع الصين.
6- تواصِل الصين الابتكار في قطاعات تقنية مفتاحية كالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية - وهى الحوسبة المتقدمة التي تعتمد على فيزياء الكم- وقد سبقت الصين بالفعل في مجالات عدة؛ مثل تكنولوجيا الطاقة الخضراء من الألواح الشمسية إلى البطاريات والسيارات الكهربائية أضحت هيمنة بكين ساحقة. وهذه الأدوات تتحول إلى أوراق قوة جيوسياسية؛ إذ تعرض الصين محطات طاقة شمسية ومصانع بطاريات وحافلات كهربائية على دول في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا. وقد تتبّعت وكالة «بلومبيرج» ثلاث عشرة تقنية تكنولوجيا مهمة، فوجدت أن الصين تتصدّر في خمس منها، وتقترب بسرعة في سبع أخرى.
7- إن نهج الصين في الذكاء الاصطناعي مختلف جذرياً؛ فهي لا تلهث خلف وهم «الذكاء الاصطناعي العام»، بل تركّز على التطبيقات العملية، وتبنّي الذكاء الاصطناعي في صورته الحالية. و تسعى بكين إلى إدخال هذه التقنية في كل زاوية من اقتصادها ومجتمعها: في سلاسل الإمداد، والمدن الذكية، والرعاية الصحية، والمراقبة، والطائرات المسيّرة، والروبوتات. وبهذا يتحقق أثر اقتصادي ملموس وسريع؛ إذ ترتفع الإنتاجية، وتُدمج التكنولوجيا في تفاصيل الحياة اليومية.
*أستاذ في العلوم السياسية والاقتصادية
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
