لم يعد الأمن مجرد إجراءات لحماية الشوارع أو تأمين الحدود، بل تحوّل إلى معيار تقاس به قوة الدول وقدرتها على البقاء والنمو. ففي وقت تزداد فيه التهديدات العابرة للحدود وتتصاعد حجم التوترات الإقليمية والدولية، بات الأمن عاملاً حاسماً يفرض إيقاعه على المكان والزمان، ومنظومة استباقية شاملة، تتطور بتطور المخاطر، وتمتد من التكنولوجيا المتقدمة إلى الإنسان، ومن التشريعات إلى السياسات، ومن الميدان إلى الفضاء الرقمي.
وبالتزامن مع الاعتداء الإيراني الغاشم على دولة الإمارات، تلقي «الخليج» الضوء على مفهوم التحوّل العالمي لمفهوم الأمن، وترصد كيف أعادت دول رائدة، من بينها الإمارات، صياغة استراتيجياتها لتجعل من الأمن تجربة متكاملة، تتداخل فيها الأدوات الذكية مع الرؤية السياسية، والجاهزية المؤسسية مع الوعي المجتمعي.
قبل عقدين، كان مفهوم الأمن يرتبط بشكل أساسي بالحدود والتحصينات والدوريات في الشوارع، أما اليوم، تتجاوز التهديدات هذه الحدود لتشمل الإرهاب، الهجمات العسكرية والسيبرانية، الأوبئة، والأزمات الاقتصادية، ما دفع الدول إلى تبنّي أمن شامل يتعامل مع المخاطر قبل وقوعها.
ويؤكد البروفيسور جون ماكليود، خبير الأمن الدولي، أن الدول التي تستطيع التنبّؤ بالمخاطر قبل وقوعها، وتوظف التكنولوجيا والذكاء البشري معاً، ستصمد أمام تحولات المستقبل.
وتعد الإمارات نموذجاً فريداً للأمن المتكامل، حيث أن دمج التكنولوجيا مع الخبرة البشرية وعلاقات الشراكة الدولية، جعل منها مرجعاً عالمياً، وهو ما ظهر جلياً وقت الاعتداء الإيراني الغاشم، حيث إنه وفي مثل هذه الأوضاع، تتراجع الحالة الأمنية في بعض الدول ويزداد معدل الجريمة وحالات الاحتيال الإلكتروني، إلا أن الدولة أثبتت صلابتها وقوتها حيث شهدت حالة من الاستقرار الأمني، وكانت الجاهزية في أعلى مستوياتها ووفق معايير مهنية دقيقة ومنهجية عمل مؤسسية واضحة، وهو ما عبر عنه المواطنون والمقيمون في كل إمارات الدولة ووصفوها بأنها بلد الأمن والأمان.
وتعتمد المنظومة الأمنية الإماراتية على خطط وطنية شاملة، تُحدَّث بصورة مستمرة، بالاستناد إلى تقييمات دورية للمخاطر وتحليل للسيناريوهات المحتملة، بما يضمن الاستعداد الدائم لكل طارئ، وذلك بالاعتماد على غرف عمليات ثابتة ومتحركة، ومراكز شرطة منتشرة ميدانياً، مدعومة بأحدث التقنيات العالمية، بما يضمن سرعة الاستجابة للبلاغات بزمن يُعد من الأفضل عالمياً، مع استمرار تقديم الخدمات الأمنية والشرطية بكفاءة وثبات في جميع الظروف.
وتعكس المؤشرات مستوى عالياً من الاستقرار والانضباط في مختلف القطاعات، نتيجة العمل المؤسسي المتكامل والجاهزية المستمرة على مدار الساعة، للحفاظ على الاستقرار وصون سلامة الجميع في جميع الأوقات.
التنبؤ بالمخاطر
يشير المهندس سعيد القاسمي، خبير الأنظمة الذكية، إلى أن الفرق بين الأمن التقليدي والأمن الحديث، هو أن الدولة لم تعد تنتظر وقوع المشكلة، بل تراقب وتحلل وتمنع حدوثها، وبات الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحكومة والدوريات الذكية تتنبأ بالمخاطر قبل أن تحدث.
وعلى المستوى الدولي، تعد سنغافورة المدينة الذكية الآمنة، ونموذجاً عالمياً للأمن الحضري الذكي، حيث تمتلك كاميرات مراقبة وأنظمة تحليل سلوك قادرة على رصد التجمعات غير المعتادة، ومركز قيادة مركزي يربط الشرطة، والدفاع المدني، والصحة العامة، وهو ما جعلها نموذجاً عالمياً في الوقاية من الجرائم.
أما اليابان فتقدم نموذجاً مختلفاً، حيث تدمج الثقافة والانضباط مع التكنولوجيا، ويعتمد الأمن على مراكز الشرطة المجتمعية والروبوتات الأمنية، والطائرات من دون طيار وأنظمة الإنذار المبكر للكوارث الطبيعية ويقول الباحث هيروشي ناكامورا: «الأمن في اليابان قائم على الإنسان قبل التقنية، الانضباط المجتمعي والوعي المشترك يجعل الأمن مسؤولية الجميع».
الأمن الجماعي
تواجه أوروبا تحديات أمنية مركبة، من الهجرة إلى الإرهاب والجريمة المنظمة، ما أدى إلى بناء منظومة أمنية موحّدة تشمل تبادل المعلومات بين الدول، وتعزيز التشريعات لحماية البيانات، وربط الأجهزة الأمنية، عبر نظم ذكية. وتؤكد الدكتورة لورا شتاينر، من مجلس الاتحاد الأوروبي: «أوروبا لم تعد تتعامل مع الأمن بأنه مسؤولية دولة، بل مسؤولية قارة واحدة».
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، لم يعد الأمن السيبراني ملفاً تقنياً ثانوياً، بل تحوّل إلى أولوية وطنية تضاهي في أهميتها الأمن العسكري. فتصاعد الهجمات الرقمية التي استهدفت البنوك والمستشفيات وشبكات الطاقة، فرض على واشنطن إعادة رسم استراتيجيتها الأمنية، عبر بناء منظومات رقمية قادرة على الرصد المباشر والاستجابة الفورية.
ويؤكد الخبير الأمريكي آدم هاريسون، أن طبيعة الخطر تغيّرت جذرياً، قائلاً: التهديد الأخطر اليوم ليس قنبلة تقليدية، بل فيروس رقمي قادر على شلّ الحياة بالكامل. الأمن السيبراني أصبح ساحة الحرب اليومية الجديدة.
التكنولوجيا والإنسان
تجمع التجارب الدولية على أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الأمن، لكنها تحتاج إلى الإنسان المدرب لاتخاذ القرارات الدقيقة والتعامل مع الحالات المعقدة، ويؤكد البروفيسور ماكليود: «التكنولوجيا تعطي السرعة والدقة، والإنسان يمنح الحكم والوعي الأخلاقي. المزج بينهما هو سر النجاح».
وقد أثبتت التجارب العالمية أن الأمن لم يعد مجرد أداة لحماية الدولة، بل أرضية لكل تنمية واستثمار واستقرار اجتماعي وهو السيد الحقيقي للمكان والزمان، يحمي حاضر الدول ويحدد مستقبلها.
وفي عالم سريع التغير، معقد ومتشابك، لم يعد الأمن خياراً بل ضرورة، وقاعدة لا يمكن لأي دولة أن تنمو أو يزدهر مجتمعها دونها.
التقنيات الذكية
وفي ظل الأوضاع التي تشهدها الدولة تسير الحياة اليومية بصورة طبيعية في مختلف المجالات، وذلك بفضل الجاهزية الأمنية التي تعززها التقنيات الذكية، ما يمنح المواطنين والمقيمين شعوراً بالطمأنينة والاستقرار، برغم أنّ هناك دولاً أخرى تتأثر بمثل هذه الأحداث حيث تزداد الجريمة بفعل غياب الأمن أو ضعف تطبيقه، ما ينعكس مباشرة على جودة الحياة وسعادة الناس. ففي بعض المدن التي تشهد ارتفاعاً توترات، يجد المواطنون أنفسهم مضطرين لاتخاذ احتياطات يومية، مثل تجنّب الخروج ليلاً أو حماية ممتلكاتهم باستمرار، ما يزيد القلق النفسي ويؤثر في الإنتاجية والنشاط الاجتماعي.
ويقول الخبير الدولي في علم الاجتماع والأمن، البروفيسور جون ماكليود: «غياب الأمن لا يعرّض الممتلكات فقط للخطر، بل يؤثر في شعور الأفراد بالطمأنينة، ويحدّ تطور المجتمعات. الدول التي تستثمر في أمن شامل وذكي توفر لمواطنيها قاعدة للحياة السعيدة والمستقرة».
الأكثر أماناً
يستغل البعض الحروب والتوترات السياسية لإثارة البلبلة والشائعات وبث الخوف في نفوس أفراد المجتمع، فيما تنشط حالات الاحتيال الإلكتروني وسرقة البيانات والحسابات البنكية وغيرها، لكن في دولة الإمارات كان الوضع مختلفاً تماماً، ومنذ اليوم الأول للأزمة عملت الجهات المختصة على بث رسائل التوعية لجميع أفراد المجتمع وتحذيرها من أي استغلال والدعوة إلى استقاء الأخبار من المصادر الرسمية المعتمدة.
ويقول اللواء أحمد ناصر الريس، رئيس المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «إنتربول»: شهد عالم الجريمة تحوّلات جذرية بفعل التطور التكنولوجي، إذ انتقلت الجرائم من أساليب تقليدية محفوفة بالمخاطر إلى عمليات احتيال رقمية تُدار عن بُعد، ما فرض على أجهزة إنفاذ القانون تطوير أدواتها وآلياتها.
ومع تصاعد الجرائم العابرة للحدود واستغلال الذكاء الاصطناعي، خاصة التوليدي، باتت التحديات أكثر تعقيداً، من التزييف العميق إلى سرقة البيانات والتصيد الاحتيالي، ما جعل الأساليب الأمنية التقليدية غير كافية. ويؤكد الريس أن مستقبل الأمن يعتمد على التعاون الدولي، وتبنّي نماذج شرطية استباقية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ووضع أطر تنظيمية تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة، بما يعزز أمن المجتمعات وقدرة أجهزة إنفاذ القانون على مواجهة تحديات الجريمة المتغيرة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
