أثار الاعتداء السافر الذي تعرضت له دولة الإمارات من إيران، موجة من الإدانات والتساؤلات القانونية عن التكييف القانوني لمثل هذه الأفعال في ضوء قواعد القانون الدولي، وما إذا كانت تندرج ضمن نطاق التهديد باستخدام القوة أو الاعتداء الفعلي على دولة ذات سيادة. كما أعاد هذا الاعتداء إلى الواجهة النقاش في مدى التزام الدول بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة باحترام سيادة الدول وعدم استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية. وفي الوقت الذي تمثل فيه سيادة الدول وسلامة أراضيها أحد أهم مبادئ النظام القانوني الدولي، يرى متخصصون في القانون أن أي اعتداء يمسّ هذه المبادئ لا يقتصر تأثيره على الدولة المستهدفة وحسب، بل يمتد إلى تهديد الأمن والاستقرار الإقليميين، خصوصاً في منطقة الخليج التي تحظى بأهمية استراتيجية واقتصادية عالمية.
وفي هذا السياق، استطلعت «الخليج» آراء عدد من المحامين والمستشارين القانونيين.
قال المحامي والمستشار الدولي عيسى بن حيدر: القانون الدولي لا يكتفي بتجريم الأفعال التي تخالف قواعده الأساسية، بل يضع نظاماً واضحاً لمساءلة الدول التي ترتكب أفعالاً غير مشروعة دولياً. وقد وضعت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة إطاراً قانونياً لهذه المسؤولية في مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً لعام 2001.
وأكد أن هذه القواعد تنصّ على أن الدولة تتحمل المسؤولية الدولية عندما تفعل ما يشكّل خرقاً لالتزام دولي يقع على عاتقها. ويترتب على ذلك التزامها بوقف الفعل غير المشروع وضمان عدم تكراره وتعويض الأضرار التي نتجت عنه. وعند تطبيق هذه القواعد على الهجمات التي استهدفت دولة الإمارات، يتضح أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أراضي دولة ذات سيادة خرق لالتزامات دولية أساسية: أولها الالتزام بعدم استخدام القوة مع الدول الأخرى، وهو التزام نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة، ومن المبادئ الآمرة في القانون الدولي. كما أن انتهاك المجال الجوي لدولة الإمارات واستهداف مواقع داخل أراضيها خرق لمبدأ السيادة الإقليمية ومبدأ حسن الجوار وهما ركائز أساسية للنظام الدولي.
انتهاك القواعد
وأضاف أن استهداف منشآت مدنية وسقوط ضحايا مدنيين يثير مسؤولية قانونية إضافية في ضوء قواعد القانون الإنساني؛ لأن هذه القواعد تلزم أطراف النزاعات المسلحة بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. وعندما تؤدي الهجمات العسكرية إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية أو سقوط ضحايا بين المدنيين، فإن ذلك انتهاك للقواعد الإنسانية التي تحكم النزاعات المسلحة.
وأشار إلى أن المجتمع الدولي وضع هذه القواعد بهدف الحدّ من النزاعات المسلحة وضمان عدم تحول الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي. وعندما تتجاوز هذه القواعد باستخدام القوة مع دولة أخرى خارج إطار الدفاع الشرعي عن النفس أو من دون تفويض دولي، فإن ذلك خرق واضح للنظام القانوني الدولي.
وشدد المستشار بن حيدر، على أن استهداف دولة الإمارات بالصواريخ والطائرات المسيّرة من منظور القانون الدولي استخدام غير مشروع للقوة واعتداء على سيادة دولة مستقلة، فضلاً عن كونه خرقاً لعدد من الالتزامات الدولية التي تهدف إلى حماية الاستقرار الدولي. كما أن الأضرار التي لحقت بالمدنيين والمنشآت المدنية تفتح الباب أمام مسؤولية قانونية دولية عن الأفعال غير المشروعة، وهو ما يجعل هذه الوقائع محل تقييم قانوني جاد في إطار القواعد التي تحكم النظام الدولي.
احترام السيادة
أكد المحامي بدر عبدالله خميس، أن أي اعتداء يستهدف سيادة دولة أو أمنها انتهاك واضح لقواعد القانون الدولي العام. وما تعرضت له دولة الإمارات من اعتداء سافر من إيران يندرج قانونياً ضمن الأفعال التي تمسّ سيادة الدولة وسلامة أراضيها، وهو ما يتعارض مباشرة مع المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر اللجوء إلى القوة أو التهديد بها بحق سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
وقال إن القانون الدولي ينظر إلى مثل هذه الأفعال بوصفها خرقاً خطراً للنظام الدولي القائم على مبدأ احترام السيادة المتبادلة بين الدول. وهذا المبدأ من الركائز الأساسية لاستقرار العلاقات الدولية.
وأضاف أن الاعتداءات التي تستهدف دولة ذات سيادة لا تقتصر آثارها على الدولة المعنية فحسب، بل تمتد إلى الإضرار بالأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي اتخاذ مواقف واضحة تجاه مثل هذه الممارسات.
وأشار إلى أن القانون الدولي يمنح الدول المتضررة خيارات قانونية للتعامل معها، في مقدمتها اللجوء إلى الأطر الدبلوماسية والقانونية الدولية لتوثيق الانتهاكات وطرحها أمام المؤسسات الدولية المختصة. كما يمكن للدولة المتضررة إثارة المسألة أمام مجلس الأمن أو الهيئات الدولية المعنية، بما يتيح توثيق الانتهاك ووضعه في إطار المساءلة الدولية.
وأضاف: من بين الخيارات المتاحة أيضاً تفعيل المسارات القانونية الدولية التي تسمح للدول بالدفاع عن حقوقها وسيادتها، عبر التحرك الدبلوماسي أو الآليات القانونية التي يقرها القانون الدولي، بما في ذلك المطالبة باتخاذ إجراءات رادعة بحق الدولة التي ارتكبت الانتهاك. وأكد أن حق الدولة في الدفاع عن نفسها من الحقوق الأصيلة التي يقرها القانون الدولي، شريطة أن يكون في إطار الضوابط القانونية.
وشدد على أن دولة الإمارات تمتلك سجلاً واضحاً في الالتزام بالقانون الدولي واحترام قواعده، وهو ما يعزز موقفها القانوني في مواجهة أي انتهاكات تستهدف سيادتها أو أمنها. وأكد أن التمسك بالقانون الدولي واستخدام أدواته القانونية يظل من أهم الوسائل التي تتيح للدول حماية حقوقها وترسيخ مبادئ العدالة واحترام السيادة في العلاقات الدولية.
مخاوف قانونية
قالت المحامية ميثاء البلوشي: الاعتداءات التي تستهدف دولة ذات سيادة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن انعكاساتها على الأمن الإقليمي. وأي تصرف يشكل اعتداء على سيادة دولة في منطقة الخليج يثير مخاوف قانونية تتعلق بمدى احترام قواعد النظام الدولي القائم على عدم التدخل واحترام سيادة الدول. وهذه القواعد حجر الأساس في الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين؛ إذ إن الإخلال بها قد يفتح الباب أمام توترات أوسع تهدد أمن المنطقة كلها.
وأشارت إلى أن القانون الدولي ينظر إلى أمن المناطق الحيوية، مثل منطقة الخليج، بوصفه جزءاً من منظومة الأمن الجماعي، لما تمثله هذه المنطقة من أهمية استراتيجية واقتصادية للعالم. ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتداء يمسّ دولة في هذه المنطقة لا ينعكس على الدولة المعنية فقط، بل يثير قضايا قانونية مرتبطة بأمن الملاحة والتجارة الدولية واستقرار الأسواق أيضاً.
وأضافت أن احترام سيادة الدول من أهم الضمانات القانونية للحفاظ على الأمن الإقليمي. والدول التي تلتزم بقواعد القانون الدولي تسهم مباشرة في دعم الاستقرار ومنع تصاعد النزاعات.
وأكدت أن الإمارات لطالما تبنت نهجاً يقوم على احترام القانون الدولي ويدعم مبادئ التعاون وحسن الجوار، وهو ما جعلها نموذجاً في الالتزام بالقواعد القانونية الدولية.
وشددت على أن معالجة مثل هذه الاعتداءات لا تقتصر على الرد السياسي، بل تتطلب مقاربة قانونية أيضاً تضيء على خطورة هذه الأفعال وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي. وتوثيق الانتهاكات وإبراز أبعادها القانونية يسهمان في ترسيخ موقف الدولة المتضررة وإظهار مدى التزامها بالقانون الدولي.
ميثاق الأمم المتحدة
وقال المستشار القانوني الدكتور علاء نصر: الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت دولة الإمارات انتهاك واضح لأحد أهم المبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي، وهو مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية. فقد نصّت المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة على امتناع الدول في علاقاتها الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها بحق سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. وهذا النص قاعدة آمرة في القانون الدولي، أي أنه من المبادئ التي لا يجوز لأي دولة تجاوزها أو التحلل منها.
وأضاف أن إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة من إيران باتجاه الأراضي الإماراتية انتقال واضح من مرحلة التهديد السياسي أو العسكري إلى الاستخدام الفعلي للقوة المسلحة. فالقانون الدولي يميز بوضوح بين التصريحات أو التهديدات العسكرية والأفعال العسكرية التي تُنفذ بالفعل على أرض الواقع. وعند إطلاق صواريخ عبر الحدود الدولية، وسقوطها داخل إقليم دولة أخرى ذات سيادة، فإن هذا الفعل استخدام مباشر للقوة العسكرية بالمعنى المقصود في المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة.
وأشار الدكتور علاء نصر إلى أن هذا التوصيف لا يعتمد على نصوص الميثاق فقط، بل تؤيده القواعد التي وضعتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 3314 الصادر عام 1974 بتعريف الاعتداء.
فقد نصّت المادة الثالثة على أن قصف إقليم دولة أخرى باستخدام الأسلحة، أو استخدام أي نوع من الأسلحة على أراضي دولة ذات سيادة، عمل عدواني. ومن ثم فإن قصف أراضي دولة الإمارات بالصواريخ والطائرات المسيّرة يدخل مباشرة ضمن الأفعال التي عدّها المجتمع الدولي اعتداءً مسلحاً.
وأضاف نصر أن استهداف منشآت مدنية وسقوط ضحايا من المدنيين داخل دولة الإمارات، يضاعف من خطورة هذا السلوك من الناحية القانونية؛ لأن القانون الدولي الإنساني، الذي كرّسته اتفاقيات جنيف، يلزم أطراف النزاعات المسلحة بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. وعند توجيه هجمات تؤدي إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية أو سقوط ضحايا بين المدنيين، فإن ذلك انتهاك إضافي للقواعد الإنسانية التي تحكم النزاعات المسلحة.
التكييف القانوني
وقال المحامي والمستشار القانوني عمر العوضي، إن دولة الإمارات تتعرض لاعتداء سافر يمسّ سيادتها وأمنها من إيران، ترافق مع ممارسات وتصريحات تتعارض مع قواعد العلاقات الدولية المستقرة، ما يثير تساؤلاً قانونياً جوهرياً عن التكييف القانوني لمثل هذه الأفعال في ضوء قواعد القانون الدولي العام، وما إذا كانت تندرج ضمن نطاق التهديد باستخدام القوة أو الاعتداء الفعلي على دولة ذات سيادة، ومدى عدّها انتهاكاً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وأوضح أن قواعد القانون الدولي أرست إطاراً واضحاً لتنظيم العلاقات بين الدول وحماية سيادتها وسلامة أراضيها، وهو ما يستدعي توضيح الفارق القانوني بين التهديد باستخدام القوة والاعتداء الفعلي، والآثار القانونية المترتبة على كل منهما.
وبين أن القانون الدولي العام يفرّق بوضوح بين التهديد باستخدام القوة والاعتداء الفعلي على دولة ذات سيادة، رغم أن كليهما قد يشكل خرقاً لقواعد أساسية في النظام القانوني الدولي. فقد نصّ ميثاق الأمم المتحدة على التزام جميع الدول بالامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها على سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي. ويقصد بالتهديد باستخدام القوة إعلاناً صريحاً أو ضمنياً من دولة ما بنيتها اللجوء إلى القوة العسكرية أو غيرها من وسائل الإكراه لإجبار دولة أخرى على اتخاذ موقف أو تغيير سياسة معينة، وقد يتحقق ذلك بتصريحات رسمية أو إنذارات سياسية أو حشود عسكرية تقترن بإظهار نية واضحة لاستخدام القوة.
وأضاف أن التهديد غير مشروع قانوناً إذا كان استخدام القوة ذاته سيكون غير مشروع وفق أحكام القانون الدولي، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن مشروعية التهديد أو استخدام الأسلحة النووية، حيث قررت أن مشروعية التهديد ترتبط ارتباطاً مباشراً بمشروعية استخدام القوة التي يُلوَّح بها.
أما الاعتداء الفعلي فيختلف من حيث طبيعته وآثاره القانونية، إذ يتمثل في الاستخدام المادي للقوة المسلحة مع دولة أخرى، مثل الهجوم العسكري أو القصف أو الغزو أو فرض الحصار، وهو انتهاك صريح لسيادة الدولة وسلامة أراضيها. وقد عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة العدوان في قرارها رقم 3314 بأنه استخدام القوة المسلحة من دولة بحق سيادة دولة أخرى أو سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي، وهو ما يترتب عليه قيام المسؤولية الدولية للدولة المعتدية، ويمنح الدولة المعتدى عليها حق الدفاع الشرعي عن النفس وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن إمكانية تدخل مجلس الأمن الدولي لاتخاذ التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
وأشار إلى أن التهديد باستخدام القوة أو الاعتداء الفعلي قد يشكلان كذلك انتهاكاً لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو أحد المبادئ المستقرة في القانون الدولي، وأكدته مبادئ العلاقات الودية بين الدول الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1970. ويقصد بعدم التدخل امتناع الدول عن ممارسة أي شكل من أشكال الإكراه السياسي أو العسكري أو الاقتصادي بهدف التأثير في القرارات السيادية لدولة أخرى.
وأضاف أن التهديد باستخدام القوة، إذا كان يهدف إلى الضغط على دولة ما لتغيير سياساتها أو خياراتها السيادية، شكل من أشكال التدخل غير المشروع، في حين أن الاعتداء الفعلي يمثل انتهاكاً أكثر جسامة؛ لأنه يجمع بين خرق مبدأ حظر استخدام القوة والاعتداء المباشر على سيادة الدولة واستقلالها السياسي، ما يجعله من أخطر الأفعال المحظورة في القانون الدولي المعاصر.
وأوضح أن الاعتداء الفعلي على دولة ذات سيادة ليس خرقاً لقواعد حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية فقط، بل قد يتحول في بعض الحالات إلى مستوى جريمة عدوان وفق أحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يجرّم التخطيط أو الإعداد أو التنفيذ لعمل عدواني واعتباره انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة. كما أن العمليات العسكرية التي قد ترافق هذا الاعتداء قد تفضي إلى ارتكاب جرائم حرب إذا تضمنت استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية أو استخدام وسائل قتالية محظورة بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.
وأشار إلى أن مثل هذه الأفعال قد يترتب عليها نوعان من المسؤولية الأولى دولية للدولة المعتدية نتيجة انتهاك قواعد القانون الدولي، والثانية جنائية فردية للقادة أو المسؤولين عن الجرائم الدولية التي قد ترتكب أثناء النزاعات المسلحة. واحترام سيادة الدول والالتزام بقواعد القانون الدولي يظل الضمانة الأساسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في العلاقات الدولية.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
