فن / اليوم السابع

هيثم مفيد يكتب: دراما بين "السيف والميزان"

 

لم تعد قاعة المحكمة في الموسم الرمضاني هذا العام مجرد "ديكور" تقليدي للمشهد الختامي، بل تحولت إلى مسرح للصراعات الإنسانية والأخلاقية. فمن منصات المداولة في قضايا الجنايات، إلى دهاليز محاكم الأسرة المزدحمة بآلام الانفصال، برزت "المحكمة" كخيط يربط بين أعمال الموسم، ليس فقط كجهة للفصل في النزاعات، بل كمرآة تعكس شروخ المجتمع وتساؤلاته حول مفهوم العدالة الغائبة والإنصاف المؤجل.

من الجنايات للأحوال الشخصية


يبرز هذا العنصر المكاني بقوة في "عين سحرية"، إذ أن طرفي الصراع الدرامي محاميان مخضرمان أحدهما يسعى بقوة لتطويع ذراع القانون لخدمه مصالحه ونشاطه المشبوه، بينما يتطلع الآخر إلى العدالة، وتُمثل المحكمة ملعبًا أساسيًا لحسم هذه المعركة. وهنا تبرز تساؤلات عديدة في ذهن أغلب المشاهدين الذين باتوا يروا أن هذا النوع من النهايات به شيء من الاستسهال، فهل كانت منصة الحكم مجرد لحظة للبحث عن الحقيقة أم أنها حل إلهي مفاجئ (Deus ex machina) لقتل المنطق الدرامي والهروب من عقدة درامية لا تزال متشابكة؟


في مكتب المحامي المخضرم شهاب الصفطاوي (محمد علاء)، تبرز لوحة لتمثال العدالة في الخلفية بصورة دائمة ووتجلى رمزيتها في أحد مواجهات الحلقات الأخيرة بين شهاب وزكي غالب (باسم سمرة)؛ يستحضر الأخير صورة "ربة العدالة" المعلقة خلفه على الجدار (التي تتواجد عادة في قاعات المحاكم). هو يرى أن الميزان (العدل) قد يختل ويترنح، وأن السيف (القانون) قد يكون مجرد ديكور "للتهويش"، لذا يقرر أن يكون هو السيف الذي يضرب بدلاً منها.
غالباً ما يُتهم الكُتّاب باللجوء للمحكمة في لإنهاء الصراع لأنهم عجزوا عن حسمه بالفعل الدرامي. إذا يظهر عادةً دليل مفاجئ في اللحظة الأخيرة داخل القاعة ليقلب الموازين، وهذا من شأنه كسر المنطق الدرامي وجعل كل الصراع السابق بلا قيمة، وكأن الكاتب استدعى قوة خارجية لإنقاذ البطل.
ولكن في "عين سحرية"، المحكمة ليست حلاً مفاجئًا، بل هي المواجهة الحتمية. الصراع منذ البداية هو قانوني بصبغة أخلاقية من بين قطبي الدراما. لذا، وقوفهما أمام القاضي هو تجسيد لصراع بين من يريد تطويع القانون ومن يريد روح العدالة، حيث يبدأ من هذه المنصة سؤال الإنصاف أو الخذلان؛ الذي على الأرجح دفع عادل (عصام عمر) -الطرف الثالث في الصراع- للجوء لمنصات التواصل الاجتماعي لعرض القضية واعطاؤه طابع قضايا "الرأي العام" وهو ما أضر بهذا البناء الدرامي بنوع من الاستسهال.


على جانب آخر، تقف نهاية مسلسل "كان ياما كان" أيضًا مقربة من منصات المداولة، ولكن هذه المرة داخل أروقة محاكم الأسرة، التي باتت مسيطرة بشكل ملحوظ على المشهد الدرامي هذا الموسم في تسلسلات درامية متكررة بصورة تفتح الباب أمام الكثير من التساؤلات، ليس بخصوص مناقشة مثل هذه القضايا الحساسة، وإنما عن توقيت طرحها بهذا الكم دفعة واحدة.


في مسلسل "كان ياما كان"، تتحول قاعة المحكمة من مكانٍ تسيطر عليه صراعات قانونية خشنة إلى ملاذ أخير أمام مأساة أسرية إنسانية بين مصطفى (ماجد الكدواني)، الطبيب الذي تصل علاقته بزوجته السابقة داليا (يسرا اللوزي) إلى طريق مسدود وتكون الضحية في النهاية هي ابنتهما فرح (ريتال عبد العزيز)، التي تقف حائرة أمام القاضي وعليها إما أن تختار العيش مع أي من والديها بعد إنتهاء فترة حضانتها.


في هذا العمل، لم يكن اللجوء إلى المحكمة من أجل البحث عن ثغرة قانونية أو تأمل نصرة السيف وعدالة الميزان، بقدر ما كانت محاولة لفتح جرح إنساني لن يلتئم للأبد. هنا، تبوح الفتاة المراهقة بكل ما عجزت عن قوله خلال أحداث المسلسل، عن اللحظات الدافئة التي عاشتها مع والديها ولن تستطيع استعادتها مجددًا، شكل الحياة الذي كانت لا تتصوره دون وجود والديها داخل إطار واحد. هذه المعالجة تلقي بظلالها على وظيفة المكان؛ فالمحكمة في "كان ياما كان" ليست مكانًا لنهاية الألم وإنزال العقاب، بل أقرب إلى جهة تقرير إداري يجب أن تفصل في اختيار إنساني كلاهما مر، قبل أن يُنهي المخرج كريم العدل مسلسله بنهاية مفتوحة على سؤالِ لا إجابة له.

محاكم النصف الثاني


في النصف الثاني من الموسم الرمضاني، يبرز مسلسل "فرصة أخيرة" كأحد أعمدة دراما التشويق النفسي في موسم 2026، حيث يعيد صياغة "دراما المحاكم" من منظور إنساني وقانوني يُكمل ما بدأناه في النصف الأول. يتناول العمل قصة القاضي "يحيى الأسواني" (محمود حميدة)، الذي يجد ثباته المهني على المحك حين تتقاطع حياته الشخصية مع قضية مقتل "فتاة المنصورية" الغامضة. ولا يتوقف المسلسل عند حدود قاعات المحاكم، بل يغوص في كواليس العدالة من خلال صراع "تكسير عظام" بين الأسواني وخصمه "بدر أباظة" (طارق لطفي)، في مباراة تمثيلية تعتمد على الأسرار القديمة والمساومات التي تضع نزاهة القضاء في مواجهة مباشرة مع أخطاء الماضي.


وفي سياق درامي موازٍ خلال حلقاته الأولى، ينسج المسلسل خيوطًا معقدة تربط بين جهات التحقيق والروابط العائلية، حيث تتصاعد حدة التوتر مع سعي المقدم "حازم" (علي الطيب) لفك طلاسم الجريمة التي هزت عائلة "حنان سليمان"، بالتزامن مع محاولاته للارتباط بـ "دلال" (ندى موسى) ابنة القاضي يحيى الأسواني. هذا التشابك يضع الشخصيات أمام اختبارات أخلاقية صعبة، ويجعله مرآة لتحديات العدالة في مواجهة النفوذ والعاطفة.


أما مسلسل "أب ولكن"، فيُعيد تسليط الضوء على قضايا محاكم الأسرة الشائكة والمنتشرة هذا الموسم بكثرة؛ حيث يجسد الفنان محمد فراج شخصية "أدهم"، الأب الذي يخوض معركة قانونية مع طليقته (تجسد دورها هاجر أحمد) لتتجاوز حدود الخلافات التقليدية وتصل إلى اتهامات باختطاف الطفلة، وذلك في إطار رحلة يخوضها لرؤية ابنته بعد الانفصال.


يطرح العمل تساؤلات حول "قانون الرؤية"، التي تابعنا أثارها في النصف الأول من الموسم الرمضاني من خلال مسلسل "كان ياما كان"، والقيود التي تفرضها النزاعات القضائية على العلاقة الإنسانية بين الأب وأبنائه، مبرزًا المعاناة التي يعيشها الآباء في "دهاليز المحاكم" حين يتحول حق الرؤية إلى وسيلة للضغط وتصفية الحسابات الشخصية.

 

كل ما يخص رمضان 2026.. اضغط هنا للدخول إلى بوابة دراما رمضان 2026
 

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا