اقتصاد / صحيفة الخليج

هيمنة يصعب كسرها

منذ عقود، يجادل بعض الاقتصاديين بأن النظام النقدي العالمي ليس شكلاً ثابتاً، بل يمكن أن يتغير إذا ظهرت بدائل قادرة على منافسة العملات الوطنية. ففي كتابه الشهير «نزع الطابع الوطني عن النقود»، دعا الاقتصادي الحائز على نوبل فريدريش هايك إلى عالم تتنافس فيه العملات بدلاً من احتكارها من قبل الدول.
اليوم، ومع الثورة الرقمية، تبدو هذه الفكرة أقل خيالية مما كانت عليه في الماضي. فالعملات الرقمية، بما فيها العملات المستقرة المدعومة بالذهب، تُطرح باعتبارها أدوات قد تفتح الباب أمام منافسة نقدية حقيقية. ومع ذلك، فإن الرهان على إزاحة الدولار من موقعه المهيمن يظل بعيد الاحتمال في المستقبل المنظور. لا يزال الدولار العملة الأقوى في العالم، وهيمنته ليست مجرد لحجم الاقتصاد فحسب، بل أيضاً لوجود شبكة مالية هائلة بُنيت حوله عبر عقود. شبكة تخضع لإطار قانوني شفاف يحمي حقوق الملكية، مع وجود مؤسسات مالية ضخمة وبنية تحتية للدفع عابرة للحدود، وأهم من ذلك كله: غياب بديل مقنع.
الطلب العالمي على الدولار ضخم، وتشير تقديرات مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى أن نحو نصف الدولارات الورقية المتداولة موجود خارج الولايات المتحدة. كما تحتفظ المؤسسات المالية الأجنبية بما يتراوح بين 13 و16 تريليون دولار. ويضاف إلى ذلك نظام مالي خفي ضخم من الالتزامات المقومة بالدولار، يتجاوز حجمه 80 تريليون دولار.
هذه الكتلة الهائلة من الاستخدام تخلق ما يُعرف بـ«تأثير الشبكة»: فالعالم يستخدم الدولار لأن الجميع يستخدمه.
مع ذلك، فإن واشنطن نفسها أسهمت في إثارة التساؤلات حول مستقبل الدولار عبر استخدامه أداةً في السياسة الخارجية. فالعقوبات الأمريكية حرمت دولاً مثل إيران وكوبا وكوريا الشمالية من الوصول إلى شبكات الدفع العالمية، كما حدّت من استخدام أنظمة مالية أمريكية مثل وماستركارد وباي بال. ما دفع بعض الدول، ومنهم حلفاء، إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على النظام المالي الأمريكي.
لكن المشكلة أن البدائل الواقعية قليلة. فاليورو، ورغم امتلاكه وزناً اقتصادياً كبيراً، لكنه يواجه قيوداً هيكلية. من أسواق دين أوروبية مجزأة، إلى بنية سياسية للاتحاد الأوروبي أقل تماسكاً من الدولة الأمريكية الموحدة. لذلك، في أوقات الأزمات العالمية، تتجه رؤوس الأموال غالباً نحو الدولار لا نحو اليورو.
أما اليوان الصيني، فإنه يواجه عوائق أكبر. فالصين تفرض قيوداً صارمة على حركة رؤوس الأموال، وتبقي سعر صرف عملتها تحت إدارة مشددة من البنك المركزي. كما أن النظام المالي والقانوني في البلاد يخضع بدرجة كبيرة لسلطة الدولة، وهو ما يثير قلق المستثمرين والبنوك المركزية.
وبينما أنشأت بكين بنية دفع بديلة مثل نظام «CIPS»، فإن حجمها لا يزال ضئيلاً مقارنة بالشبكات التي تعتمد على الدولار مثل «سويفت» SWIFT.
المفارقة أن الابتكار المالي الحديث لم يضعف الدولار، بل عزز حضوره. فالقيمة السوقية للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار ارتفعت بأكثر من عشرة أضعاف منذ عام 2021. وأصبحت هذه العملات وسيلة سهلة لملايين الأشخاص في الدول ذات العملات الضعيفة لاستخدام الدولار عبر الهواتف الذكية. وهكذا، بدلاً من تقويض الدولار، تعمل هذه الابتكارات على توسيع نطاقه عالمياً.
في هذا السياق، عاد الذهب إلى الواجهة. فقد قفز سعره مقارنة بالدولار أكثر من ثلاثة أضعاف خلال العقد الأخير، كما كثفت البنوك المركزية مشترياتها منه بوتيرة غير مسبوقة منذ ستينيات القرن الماضي.
لكن الذهب التقليدي يعاني مشكلة قديمة: صعوبة استخدامه كوسيلة للدفع. وهنا تظهر فكرة العملات المستقرة المدعومة بالذهب، التي تحاول الجمع بين استقرار المعدن النفيس وسرعة الأصول الرقمية. وارتفعت القيمة السوقية لهذه العملات إلى أكثر من 6 مليارات دولار، وهو رقم متواضع مقارنة بالعملات المستقرة المرتبطة بالدولار، لكنه يعكس اهتماماً متزايداً.
وعلى الرغم من جاذبيتها النظرية، تواجه هذه العملات تحديات كبيرة. مثل نموذج أعمالها، القائم أساساً على رسوم المعاملات، والذي لم يثبت قدرته على العمل وفق نطاق واسع. كما أن الجهات التنظيمية لم تحسم بعد كيفية تصنيف هذه الأصول: هل هي أوراق مالية أم سلع أم أدوات دفع؟ إضافة إلى ذلك، فإن المستخدمين مضطرون للثقة بأن الذهب الداعم لهذه العملات موجود بالفعل وقابل للاسترداد الكامل، وهو ما يضيف طبقة من المخاطر لا توجد في العملات السيادية.
الخطأ الشائع لدى كثير من المتحمسين للذهب الرقمي هو الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها يمكن أن تطيح بالدولار. لكن العملة ليست مجرد أصل مالي؛ إنها منظومة كاملة من المؤسسات والقوانين والأسواق والبنية التحتية.
فحتى لو قبل مُصدِّر برازيلي مدفوعات بعملة مستقرة مدعومة بالذهب من مشترٍ صيني، فإنه سيعود سريعاً إلى الدولار عندما يحتاج إلى دفع الضرائب أو شراء معدات أو سداد ديون مقومة بالدولار. بعبارة أخرى، ما لم تتحول سلسلة التوريد العالمية بالكامل إلى الذهب، فإن الدولار سيظل محور النظام المالي. ولهذا السبب، لن يفقد الدولار عرشه لمجرد ظهور تقنية أفضل. بل قد يحدث ذلك فقط إذا أساءت واشنطن نفسها إدارة النظام الذي منح عملتها هذه القوة.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا