بقلم عزة إبراهيم
الأربعاء، 11 مارس 2026 03:00 محظي مسلسل "عين سحرية" بإشادة واسعة بوصفه أحد أبرز أعمال النصف الأول من الموسم الدرامي الرمضاني، بفضل تماسك عناصره الفنية وقدرته على طرح قضية مختلفة بعيداً عن تكرار الموضوعات واستنساخ التجارب الناجحة، ففي وقت تعاني فيه بعض الأعمال من الإسهاب والإطالة وافتقار الفكرة، استطاع المسلسل أن يقدم سرداً مكثفاً نسبياً ومتماسك البنية.
منذ اللحظة الأولى يلفت العمل الانتباه عبر منظومة جمالية متكاملة: عنوان دال، وموسيقى تصويرية مختلفة وشديدة التميز وافتتاحية مؤثرة بصوت ويجز، ولغة بصرية تعتمد على زوايا تصوير مدروسة، وتكوينات كادر دقيقة، وألوان ذات دلالة درامية، وإيقاع سردي متوازن. وتتكامل هذه العناصر مع أداء تمثيلي لافت، خاصة الحضور المميز للموهبة الصاعدة عصام عمر، إلى جانب الخبرة العميقة التي يضفيها باسم سمرة على أدواره، الذي قدم مدرسة قائمة بذاتها في الأداء؛ إذ يمتلك قدرة استثنائية على بث التعقيد الإنساني في الشخصية، بحيث يجد المشاهد نفسه متعاطفاً معها حتى في لحظات قسوتها، وقادراً على فهم دوافعها مهما بلغت درجة الشر التي تنطوي عليها.
في جوهره، يقدم المسلسل ميلودراما إنسانية تدور داخل واقع قاتم ومظلم يفتقر إلى العدالة، حيث تتشابك مصائر شخصيتي عادل وزكي في محاولة لاستعادة قدر من التوازن الأخلاقي في عالم مضطرب، ومع ذلك، وكحال أي عمل بشري، لم يخلُ من بعض الهفوات، غير أنها لم تكن كافية للنيل من قيمته الفنية أو التأثير على حضوره بوصفه أحد أبرز أعمال الموسم حتى الآن.
ورغم أن دلالة أسماء الشخصيات تبدو مباشرة إلى حد ما، فإن العمق النفسي الذي يقدمه العمل يتجاوز هذه المباشرة. فالمسلسل يغوص في طبقات الألم الإنساني والصراعات الداخلية والحرمان من أبسط الحقوق.
يظهر ذلك بوضوح في خلفية البطل الذي يعاني النبذ الاجتماعي والعائلي بسبب ماضٍ قاسٍ طُبع بالظلم والعنف. هذا الماضي ذاته يشكل رابطاً خفياً بين عادل وزكي؛ فكلاهما يحاول الهروب من تاريخ شخصي مثقل بالخيبات.
فعادل يعيش تحت ظل تهمة تلاحق اسم والده الذي مات في السجن بعد قضية فساد وسرقة، ليجد نفسه لاحقاً في علاقة أبوية مع رجل يعاني بدوره من نبذ المجتمع بعد خروجه من السجن وحرمانه من ممارسة مهنة المحاماة، أما زكي، الذي يخشى مواجهة ابنته خشية وصمة العار الاجتماعي، فيجد نفسه يمارس مشاعر الأبوة تجاه شاب في عمرها تقريباً، ليشكلا معاً جبهة مقاومة للفساد.
يمكن قراءة هذه العلاقة في ضوء مفهوم "الإسقاط" (Projection) أو ما يسميه علم النفس التحليلي لدى كارل يونغ بـ "الظل" (The Shadow)؛ حيث يسقط الإنسان أجزاءً من ذاته المكبوتة على الآخرين، في محاولة لا واعية لفهمها أو التصالح معها، ليصبح الحل في مواجهة الوحش الكامن داخل النفس سواء كان خوفا أو عارا أو ظلم، هذه الرسائل غير المباشرة جعلت من العمل محاولة اجتماعية ونفسية للإصلاح وليس مجرد ترفيها خاويا من معالجة الندوب والجروح الإنسانية.
ويبلغ هذا البعد النفسي ذروته في مشهد المواجهة بين عادل وشقيقه عمر شريف، حين يعترف الأخير بأن إدمانه على السرقة هو امتداد لما يعتقد أنه إرث من والدهما، المشهد مؤلم إلى درجة تفرض الصمت؛ إذ يتجلى فيه الأداء المتقن لعصام عمر، كاشفاً عن حجم المعاناة التي يحملها الشقيقان، وفي الوقت ذاته تتجلى معاني الأخوة والتكاتف واحترام الأم وحمايتها، بما يوحي ضمنياً بأن الأب الذي وُصم بالسرقة قد يكون بدوره ضحية ظلم لم تتح له فرصة الدفاع عن نفسه، وإذا كان الأب قد ترك إرثاً ما، فربما لم يكن الجريمة، بل الشهامة والصدق.
ينتمي هذا الطرح إلى ما يمكن وصفه بـ "الواقعية الأخلاقية"، حيث لا يتم تقديم الشخصيات بوصفها رموزاً مطلقة للخير والشر، بل ككائنات بشرية تتأرجح بين الضرورة الأخلاقية والضعف الإنساني، فالمسلسل لا يسقط في فخ المثالية أو التبشير بمدينة فاضلة، بل يعيد المشاهد سريعاً إلى واقعية العالم الذي يقدمه، يتجلى ذلك في المشهد الذي يوافق فيه عادل على مواجهة الفساد، قبل أن يفاجئه زكي بطلب الحصول على مقابل مالي قبل تسليم الفاسدين للعدالة، ورغم صدمة هذا الطرح لعادل وللمشاهد معاً، فإنه يضيف بعداً واقعياً للمسلسل، إذ يذكرنا بأن الأبطال هنا ليسوا قديسين، بل بشر تحكمهم احتياجات الحياة وتعقيداتها.
وعلى مستوى البناء الدرامي، يمثل العمل محاولة جادة لإعادة تعريف دراما التشويق في الدراما المصرية والعربية فالمسلسل لا يعتمد فقط على حبكة بوليسية تقليدية، بل يوظف فكرة المراقبة المعروفة بـ" Gaze Theory" كمدخل لقراءة المجتمع، فالصورة في هذا العالم ليست مجرد تسجيل للحقيقة، بل طبقة من طبقاتها؛ ما يجعل المشاهد مدعواً إلى الرؤية أكثر من الاكتفاء بالاستماع.
تبلغ هذه الفلسفة ذروتها في الحلقة الأخيرة، التي يمكن قراءتها بوصفها خلاصة بصرية للفكرة التي تأسس عليها العمل. فبدلاً من تفسير الأحداث عبر الحوار المباشر، يعتمد المسلسل على عناصر اللغة السينمائية: الإضاءة، التكوين داخل الكادر، حركة الكاميرا، وتدرجات اللون، لتتحول الحلقة الأخيرة إلى بيان بصري حول العلاقة المعقدة بين المراقبة والسلطة والمعرفة.
يمكن النظر إلى "عين سحرية" كجزء من محاولة متنامية داخل الدراما العربية لتجديد أساليب السرد التلفزيوني. فبعد سنوات طويلة من الاعتماد على الحلقات الممتدة والقصص المتشعبة، بدأت بعض الأعمال تتجه نحو بنية أكثر تركيزاً وعدد حلقات أقل، مع اهتمام أكبر باللغة البصرية.
ورغم جودة الكتابة فإن المسلسل يثبت أن الأداء التمثيلي قادر على تجاوز النص، فعندما يصمت الحوار، تتكلم لغة الجسد، وتصبح ملامح الممثل وإيماءاته أكثر تعبيرا من الكلمات، وهنا يتجلى دور الممثل في قيادة الشخصية من الداخل، بدعم مخرج واعٍ يمتلك أدواته، فيصنع المعنى سواء نُطق النص أم اختار الصمت.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
