إذا أردت أن تتعرف على طفولة جيلي من مواليد سبعينيات القرن الماضي، وكيف كان شكل حياتنا داخل البيوت وخارجها وطبيعة المشكلات الاجتماعية التي كانت تؤثر علينا كأطفال في تلك الفترة -على الأقل بالنسبة للطبقة المتوسطة التي كانت مهمة في يومٍ ما- يكفيك أن تشاهد مسلسلات مثل "أوراق الورد"، و"هند والدكتور نعمان"، و"غدًا تتفتح الزهور"، تلك الأعمال العظيمة التي ما زالت ملتصقة بذاكرتي ووجداني لأنها شكّلت جزءًا أصيلًا من نشأتي وأثّرت كثيرًا في شخصيتي منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى الآن.
صحيح أن الدراما التليفزيونية لم تغفل أبدًا قضايا الأطفال أو تتجاهلها منذ ذلك الوقت، ولكنني أتحدث دومًا عن حجم التأثير، دون أن أنكر أن حجم التأثير دخلت عليه معطيات ومتغيرات كثيرة ولم تعد الدراما التليفزيونية تمتلك تلك القدرة على التأثير والتغيير كما كانت قبل 40 عامًا، ولكنني رغم ذلك مؤمن بأن الدراما الصادقة المقدمة في قالب فني جيد ويحترم عقل المشاهد ما زالت قادرة على إحداث التأثير المرجو، حتى ولو كان هو التسلية وفقط.
ربما طالت المقدمة قليلًا ولكني لم أستطع أن أخرج ذاتي من المعادلة وأنا أتابع مسلسلات رمضان 2026 وما بها من كثافة في تناول قضايا الأطفال بأشكال شديدة التنوع والتشعب، سواء على مستوى الأزمات النفسية، والصراعات الاجتماعية، وحتى التحديات المرضية المحيطة بهم. وهو ما يعكس -للأسف- واقعًا يتحمل فيه الصغار تبعات قرارات عائلات ومجتمع يمر بظروف شديدة التعقيد.
وفى رأيى أن هذا التوجه لتناول القضايا الاجتماعية وتأثيراتها الشديدة على الأطفال، حتى وإن لم يصل بعد إلى قوة التأثير التي كان عليها في الماضي، فإنه يعكس نضجًا ملموسًا وتوثيقًا دراميًا لكيفية سقوط القرارات الخاطئة للكبار بكامل ثقلها على أكتاف هؤلاء الأطفال، وهي القرارات التي تترك ندوبًا غائرة تشكل وعيهم وتتحكم سلبيًا في مستقبلهم. ناهيك عن أن هذه الدراما قدمت لنا لآلئ حقيقية من ممثلين صغار سيضيفون كثيرًا لعقد نجوم الدراما المصرية في المستقبل.
يونس.. صاحب الأرض الأصلي
في مسلسل "صحاب الأرض"، يبرز الطفل كشاهد وضحية لدمار يفوق قدرته على الاستيعاب. يونس، الذي جسده ببراعة الطفل الفلسطيني سمير محمد، يواجه ويلات القصف والانهيار في غزة. الكاميرا ترافقه تحت الأنقاض، وتنقل تجربة الفقد والخوف في صورتها الأكثر قسوة. وفي خط درامي موازٍ، تظهر الابنة المراهقة كارما (تارا عبود) في مواجهة حصار خانق وانقطاع تام لمقومات الحياة، مع أب عالق في الضفة، ويصل الأمر لاعتقالها من قبل الاحتلال الغاشم. "صحاب الأرض" هنا يضع الطفل في مواجهة مباشرة مع الموت المادي والمعنوي، ويوثق بشجاعة ما تفعله آلة الحرب الصهيونية في جيل يُسرق منه حقه البديهي والإنساني في الأمان والحياة.
"عين سحرية" على حسن
على مستوى آخر من التحديات، يغوص مسلسل "عين سحرية" في أزمة تتعلّق بانحراف المسار وغياب التوجيه الأسري. فيجسد الموهوب جدًا عمر شريف شخصية المراهق "حسن"، الذي يعاني من داء السرقة (الكليبتومانيا)، ويتورط في سلسلة من الكوارث نتيجة انسياقه خلف رفقاء السوء.
دراما "عين سحرية" في تركيزها على شخصية حسن تتبعت بذكاء خطوات التمرد والانزلاق نحو مسارات شديدة الخطورة، وأبرزت كيف تتحول الضغوط المادية وغياب الأب والأمراض النفسية -إن لم تجد من يدركها ويتعامل معها مبكرًا- إلى بيئة خصبة لضياع مراهق يفتقد للبوصلة والتوجيه.
فرح التي لم تعد اسمًا على مسمى
وفي مسلسل "كان ياما كان"، تأخذ الأزمة شكلًا قانونيًا واجتماعيًا يمزق نفسية الطفلة "فرح" التي أدتها باقتدار الممثلة الشابة ريتال عبد العزيز، مجسدة شخصية الابنة التائهة بين والديها مصطفى (ماجد الكدواني) وداليا (يسرا اللوزي)، التي تجد نفسها فجأة في ساحات المحاكم، والمفترض أن تتحمل عبء قضايا الحضانة والنزاع المرير بين والديها. النص الدرامي يترجم هذا الضغط النفسي المتراكم إلى أعراض جسدية ملموسة، حيث تصاب بتلعثم واضح في النطق وتتعرض لانهيارات عصبية متتالية. هذا التجسيد يطرح تساؤلات جادة حول مسؤولية الآباء في حماية أبنائهم من تصفية الحسابات الشخصية، ويبرز تحول الطفل إلى أداة ضغط وضحية صامتة في الوقت ذاته.
يوسف.. ضحية اتنين غيره
يستمر نسق تفكك الروابط العائلية في مسلسل "اتنين غيرنا"، من خلال شخصية الطفل "يوسف" الذي جسده بحساسية شديدة على قدر مساحة الدور الطفل الجميل معتز فيصل. يعيش يوسف أزمة اغتراب مركبة، ويعاني من مسافة جغرافية وعاطفية تفصله عن والده الدكتور حسن، إثر عيشه مع والدته خارج البلاد بعد انفصالهما. المسلسل يناقش من ضمن خطوطه الدرامية الفجوة التي تتسع بمرور الوقت بين الأب وابنه نتيجة الغياب.
أزمات مرضية
ويطرح مسلسل "توابع" الألم في صورته البيولوجية والطبية الخالصة. العمل يوجه بوصلته نحو فئة الأطفال المصابين بمرض ضمور العضلات الشوكية، ويسلط الضوء على البيوت التي تكافح يوميًا لتوفير الرعاية المطلوبة، وينقل تفاصيل المعاناة الجسدية للأطفال وفي الوقت نفسه العبء النفسي والمادي الهائل الذي يقع على عاتق الأسر في رحلة البحث المضنية عن العلاج والدعم المجتمعي.
وهو الأمر الذي يظهر بوضوح أكثر في مسلسل آخر بدأ عرضه في النصف الثاني من الشهر وهو مسلسل "اللون الأزرق"، الذي يفتح من خلاله صناع العمل بجرأة ومسؤولية ملف طيف التوحد، من خلال يوميات أم وأب (جومانا مراد وأحمد رزق)، يكافحان لفهم العالم الداخلي لابنهما حمزة الذي جسد شخصيته بأداء شديد الحساسية الطفل علي السكري. وتتجسد الأزمة في صعوبة الدمج المجتمعي، وتحديات القبول في المدارس، والمحاولات المستمرة لاستخدام أدوات كالألوان وتدريبات السباحة كطوق نجاة لتقليل عزلته وبناء جسور تواصل معه، وهو يكشف حجم القصور المجتمعي في استيعاب الاختلاف.
أطفال "نرجس" المخطوفون
تتسع الرؤية في مسلسل "حكاية نرجس" لتشريح الجذور الحقيقية لأزمة تضع المجتمع بأسره في قفص الاتهام، وهي الوصمة الاجتماعية التي تلاحق المرأة المحرومة من الإنجاب، والنظرات المتربصة التي تتدخل في أدق تفاصيل حياتها، والتي تخلق بيئة خانقة تدمر توازنها النفسي. ويتتبع العمل كيف تتراكم هذه الأحكام الجمعية القاسية لتتحول إلى اضطرابات نفسية عنيفة، تدفع شخصية نرجس (ريهام عبد الغفور) نحو الهاوية لارتكاب جرائم اختطاف متتالية للأطفال، وظهر منهم في الحلقات الأولى الطفل يوسف الذي جسد شخصيته في مرحلتين عمريتين الطفلان يزن وليد ويوسف السيوي.
ويصور المسلسل كيف يتحول هوس الأمومة تحت وطأة نظرة الناس والضغط النفسي المستمر إلى دافع مرضي يبرر تدمير حيوات الآخرين وسلب أطفالهم. ويطرح أسئلة موجعة حول مسؤولية المجتمع في صناعة الجريمة وتحويل ضحايا الوصمة الاجتماعية إلى جناة، بينما تقع الكارثة في النهاية على كاهل الطفولة التي تُسلب منها هويتها وحياتها الطبيعية.
نور وأبوها ولكن
يستكمل مسلسل "أب ولكن" هذه اللوحة التحليلية لقضايا تخص الأطفال بمعالجة درامية لقوانين الرؤية وتأثيرها المدمر. فالطفلة "نور" التي تؤديها بجمال شديد الطفلة لوليا هشام سلطان، تقف في مرمى النيران بين والدها أدهم (محمد فراج) ووالدتها نبيلة (هاجر أحمد). حيث تتعرض نور لضغوط هائلة، من إهمال والدتها، وغياب والدها، ثم مع قراره باختطافها من مدرستها. وتصل الأحداث إلى نقطة فاصلة حين تحاول الطفلة إيذاء نفسها غرقًا في حمام السباحة. هذا المسار الصادم يفتح ملف التشريعات الأسرية وتأثيرها المباشر على تدمير الصحة النفسية للصغار.
يوسف.. النص التاني
طفل أخير لم أستطع أن أتجاوزه لأدائه الملهم وهو الطفل عبد الله كمال عطية الذي يجسد شخصية يوسف ابن عبد العزيز النص (أحمد أمين) وعائشة (دنيا سامي) في مسلسل النص التاني، وعلى الرغم من المسار الكوميدي للمسلسل فإن هذا الخط الدرامي للطفل يعد من أجمل خطوطه بقدرة عبدالله على تجسيده مازجًا بين الجدية والكوميديا ببراعة شديدة، وقد ذكرني كثيرًا بالطفل الذي جسّد شخصية "عمرو" أو الشاطر عمرو في مسلسل "أبنائي الأعزاء شكرًا" وكان اسمه وليد يحيى وأتذكر أنه كان ابنًا لمذيعة الأطفال الشهيرة عفاف الهلاوي.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
