سوهاج أحمد عبدالعال
الأربعاء، 18 مارس 2026 01:00 صطوال شهر رمضان المعظم، تتبدل ملامح مدينة جرجا القديمة فى سوهاج، وتزداد بيوت الله بهاءً وروحانية، ويبرز المسجد الصيني كأحد أكثر المساجد التي يشعر داخلها المصلّي أن الزمن قد توقّف احتراما للسكينة فهنا، لا تؤدى الصلاة فقط، بل تستعاد ذاكرة قرون من العبادة والعلم والتصوف، في مشهد تتداخل فيه أنفاس الصائمين مع عبق التاريخ.
قيشاني صيني يحكي حكاية حضارات
يحمل المسجد اسمه الشهير «المسجد الصيني» نسبة إلى بلاطات القيشاني الصيني المزخرف التي تزين محراب القبلة وأجزاء من جدرانه، وهي بلاطات فنية نادرة جرى جلبها من تركيا، ضمن أساليب زخرفية كانت شائعة خلال العصرين المملوكي والعثماني وتمنح هذه البلاطات المكان طابعا بصريا فريدا، حيث تتناغم الزخارف الهندسية والنباتية مع أجواء الخشوع، في مشهد يجعل المصلي، خاصة في ليالي رمضان، يشعر بأنه يصلي داخل لوحة فنية لا مثيل لها.
تأسيس مملوكي وتجديد بعد الفيضان
يرجع تاريخ إنشاء المسجد إلى عام 1117 هجرية، حين شيده الأمير محمد بك الفقاري، أحد أمراء المماليك، في فترة كانت تشهد اهتمامًا كبيرًا ببناء المساجد والزوايا الدينية وبعد سنوات، تعرضت المنطقة لفيضان كبير عام 1202 هجرية، ما استدعى تجديد المسجد على يد الشيخ عبدالمنعم عبدالرحمن، الشهير بـ«أبو بكري الخياط»، ليبقى المسجد قائما يؤدي رسالته الدينية، في دلالة واضحة على ارتباط أهل جرجا بمساجدهم وحرصهم على صونها عبر العصور.
عمارة ذكية تحاكي الطبيعة
اختير موقع المسجد بعناية في منطقة القيثارية شرق جرجا، حيث أُقيم على جزء مرتفع من الأرض لحمايته من مياه الفيضان وشيدت جدرانه باستخدام الطوب المحروق، باستثناء جدار المدخل الرئيسي في الجهة الشمالية الذي بني بالحجر، وتصل سماكة الجدار الواحد إلى نحو متر كامل، ما يمنحه صلابة وعزلا طبيعيا.
أما السقف فصنع من الخشب، مع فتحات علوية صممت خصيصا للتهوية ودخول الضوء، وهو ما يخلق أجواء معتدلة داخل المسجد، تزداد راحة وطمأنينة أثناء الصلوات الطويلة في شهر رمضان.
صحن مفتوح و22 عمود من الخشوع
يتكون المسجد من الداخل من أربعة أروقة تحيط بصحن مكشوف يتوسط البناء، يسمح بمرور الضوء والهواء، ويمنح المكان إحساسا بالاتساع وتستند الأروقة إلى خمسة صفوف من الأعمدة الخشبية، يبلغ عددها 22 عمودا، في تصميم معماري نادر، يتقدمه منبر خشبي أثري، ما زال محتفظًا بتفاصيله الدقيقة.
كما يحتفظ محراب القبلة بزخارفه الأصلية وبلاطات القيشاني الصيني، وبجواره محراب صغير آخر، فيما خصصت في نهاية المسجد مقصورة خشبية مرتفعة للنساء، تعكس التنظيم الدقيق للمكان منذ إنشائه.
مئذنة مصرية الهوية
يتميز المسجد بمئذنته التي ترتفع لثلاثة طوابق، وقد نفذت وفق الطراز المحلي للمآذن المصرية، بعيدا عن النمط التركي العثماني، لتؤكد انتماء المسجد للبيئة العمرانية الصعيدية ويضم المسجد بابين أحدهما رئيسي يطل على شارع البحر، والآخر من جهة منطقة القيسارية، ويؤدي إلى دورات المياه التي جرى تطويرها مؤخرا، ضمن أعمال الحفاظ على المساجد الأثرية بمدينة جرجا.
رمضان بين جدران عرفت الصالحين
يحظى المسجد الصيني بمكانة خاصة في قلوب أبناء جرجا، لارتباطه بتاريخ طويل من العلماء والأولياء والصالحين، الذين قضوا سنوات من أعمارهم في العبادة والتدريس بين جنباته وفي شهر رمضان، تزداد هذه المكانة عمقا، حيث يجد المصلون في طراز المسجد العتيق وسكونه الروحي ملاذا يمنحهم طاقة إيمانية نادرة، تعينهم على الصيام والقيام في زمن باتت فيه الروح تفتقد الهدوء.
مسجد لا يشيخ
يبقى المسجد الصيني بجرجا شاهدا على أن بعض الأماكن لا تهرم، بل تزداد جمالا مع الزمن ففي رمضان، يتحول المسجد إلى نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، حيث تتردد آيات القرآن بين جدران خشبية عتيقة، ويثبت أن التاريخ، حين يقترن بالإيمان، يظل حيا في قلوب الناس مهما تغيرت الأيام.

المسجد الصيتى من الداخل

المسجد الصينى فى جرجا

المسجد الصينى من الخارج
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة اليوم السابع ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من اليوم السابع ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
