تابع قناة عكاظ على الواتساب
حالما قرأت وصف موقع «كرونيكو نيوز» لخط الأنابيب الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر بأنه «أذكى مشروع جيوسياسي في التاريخ الحديث»، لم أتوقف عند العبارة كجملة لافتة إنما شعرت أنها تختصر فكرة أعمق بكثير، فكرة كيف يمكن لدولة أن تُخفّف وطأة الجغرافيا دون أن تغادرها؟
في الواقع خط «East-West Pipeline» لا يبدو لي مجرد مسار لنقل الخام، بل دهاء سياسي وإستراتيجي في أن لا يبقى المورد رهينة طريق واحد، ولا أسيرًا لممرات تتكدّس فيها احتمالات التوتر قبل أن تعبرها السفن، لذلك حضرت الفكرة السعودية المتفردة كالعادة بدهائها السياسي والاقتصادي على أن يكون هناك طريق آخر... أقل صخبًا، وأكثر استقلالًا، وهنا تحديدًا تكمن الفكرة التي تستوقفني في الخبر: «أن تملك البديل... قبل أن تضطر إليه».
السعودية لم تنتظر لحظة الاختبار، بل بدت وكأنها تعيد ترتيب المشهد من البداية؛ تفكر بطريقة تجعل الأزمات أقل قدرة على فرض شروطها. وهذا، بحد ذاته، انتقال لافت من منطق الاستجابة وردات الفعل إلى منطق الاستباق.
لو تأملنا هذا المشروع الجبار، في ظاهره نجد أن خطًا ينقل النفط وهذه وظيفته ولكن في عمقه يمنح شيئًا آخر: مساحة أوسع لاتخاذ القرار، دون ضغط الطريق الواحد، مرونة أعلى في الوصول، حيث يصبح البحر الأحمر نافذة أقرب لأسواق مختلفة، بزمن وتكلفة يعاد تشكيلهما، وقوة هادئة... يكفي حضورها أحيانًا لتمنع التعطيل قبل أن يبدأ.
لكن ما يشدني أكثر من كل ذلك، ليس النتائج المباشرة، بل الفكرة التي تقف خلفها الدول التي تفكر بعيدًا، لا تسأل كيف تسير الأمور حين تكون مستقرة، بل كيف تبقى قادرة على الاستمرار عندما لا تكون كذلك. وهنا يظهر الفرق... بين مشروع يُبنى، ورؤية تُهيئ نفسها لما هو أبعد من اللحظة. هذا الخط يبدو كخطة تعمل بصمت، لا تحتاج أن تُعرض كثيرًا لتُفهم أهميتها. يكفي أنها موجودة... لتغيّر طريقة الحساب.
ولو قرأته بشكل آخر، ربما أقول المشروع أبعد من مهارة فن إدارة الأزمات: هو انتقال هادئ من الاعتماد إلى شيء يشبه الاستقلال، ومن جغرافيا تُفرض، إلى جغرافيا يُعاد تشكيلها، من الخليج إلى البحر الأحمر، لا يتحرك النفط وحده... بل يتحرك معه معنى أوسع للقوة وقد لا تُرى هذه الأنابيب الممتدة في العمق، لكن أثرها بطريقة ما، يُعاد رسمه على السطح... في خرائط النفوذ.
ختامًا.. المملكة العربية السعودية تفوز بأذكى سياسية ودبلوماسية وقراءة للمشاهد العالمية وتنتصر دائمًا للمستقبل بكل حنكة وحكمة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
