في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد العالمي، تحوّل إغلاق مضيق هرمز من أزمة طاقة تقليدية إلى زلزال اقتصادي متعدد الأبعاد، يهدد سلاسل الإمداد العالمية من البتروكيماويات إلى الأسمدة والغذاء. ومع استمرار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، تتكشف تدريجياً تداعيات أعمق قد تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي العالمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من موجة تضخم عالمي حادة وربما ركود تضخمي طويل الأمد.
يمثل المضيق شرياناً حيوياً لتدفق المواد الأولية، إذ كان الشرق الأوسط يوفر نحو 30% من صادرات غاز البترول المسال المنقولة بحراً، إلى جانب نحو 24% من تجارة «النافثا» العالمية، وهي مادة أساسية لإنتاج البلاستيك. ومع توقف هذه الإمدادات، تواجه المصانع في آسيا وأوروبا نقصاً حاداً في المواد الخام، ما يهدد استمرارية الإنتاج. ويزداد الضغط مع اعتماد الصناعات البتروكيماوية على الطاقة بكثافة، خاصة في دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان التي تعتمد على الغاز الطبيعي المسال في تشغيل منشآتها.
آسيا تحت الضغط
دفعت الأزمة شركات البتروكيماويات في كوريا الجنوبية الشقيقة إلى خفض الإنتاج بنحو 50%، بينما تعتمد اليابان على الشرق الأوسط لتأمين نحو 45% من احتياجاتها من النافثا، ما يجعلها من الأكثر تأثراً. في المقابل، تستفيد الصين من اعتمادها على الفحم المحلي، إضافة إلى شراكاتها مع روسيا في تأمين المواد الخام، ما عزز موقعها في السوق العالمية، خصوصاً مع استحواذها على نحو 78% من الزيادة في الطاقة الإنتاجية لمادة «بي في سي». هذا التحول يمنح بكين فرصة لتوسيع نفوذها في سلاسل الإمداد العالمية.
الأسمدة في قلب الأزمة
امتدت التداعيات سريعاً إلى القطاع الزراعي، حيث تقلصت سلاسل إمداد الأسمدة العالمية بنحو 33%، مع تعطّل 38% من الأسمدة النيتروجينية و20% من الفوسفاتية. كما توقفت صادرات اليوريا من المنطقة، البالغة نحو 22 مليون طن سنوياً، في وقت تمثل فيه دول الخليج نحو 46% من الإمدادات العالمية. وزادت الأزمة تعقيداً مع تعثر شحن أكثر من 2.1 مليون طن من اليوريا بسبب الاختناقات اللوجستية.
قفزات حادة في الأسعار
انعكست هذه الاضطرابات على الأسواق سريعاً، إذ ارتفعت أسعار اليوريا من 482.5 دولار للطن إلى نحو 720 دولاراً، بزيادة تقارب 50%، فيما صعدت أسعار الأمونيا بنسبة 24% لتقترب من 600 دولار. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي، الذي يمثل نحو 80% من كلفة إنتاج الأسمدة، ما دفع العديد من المصانع إلى تقليص أو إيقاف الإنتاج. وفي الولايات المتحدة، قفزت أسعار اليوريا في مركز نيو أورلينز بنسبة 32% خلال أسبوع واحد.
تداعيات عالمية واسعة
امتدت آثار الأزمة إلى عدة دول، حيث فقدت الهند نحو 800 ألف طن من إنتاجها الشهري من اليوريا البالغ 2.6 مليون طن بسبب نقص الغاز، مع اعتمادها على الخليج لتأمين 80% من احتياجاتها من الأمونيا. كما تواجه أستراليا خطر نفاد مخزونها، لاعتمادها على الشرق الأوسط في أكثر من 60% من وارداتها، بينما يهدد نقص الإمدادات نحو 30% من احتياجات البرازيل من الأسمدة الفوسفاتية. تتجسد الأزمة في موجات تضخمية متتالية، بدأت بارتفاع أسعار الوقود، ثم امتدت إلى كلف النقل، وصولاً إلى الزراعة والغذاء. كما تشمل التأثيرات معظم السلع المصنعة المعتمدة على البتروكيماويات، من الملابس إلى المستلزمات الطبية. ويبرز التأثير بشكل أكبر في الأسواق الأمريكية، حيث يبلغ متوسط استهلاك الفرد من البلاستيك نحو 255 كيلوغراماً سنوياً، مقارنة ب60.1 كيلوغرام عالمياً.
تحولات في موازين القوى
تفتح الأزمة المجال أمام قوى مثل روسيا وبيلاروسيا لتعزيز نفوذها في سوق الأسمدة، في حين تمتلك الصين القدرة على توسيع سيطرتها على سلاسل الإمداد. ومع استمرار الاضطرابات، قد يتزايد التنسيق بين هذه الدول، مقابل تراجع القدرة الإنتاجية في الاقتصادات الصناعية الأخرى.
تشير التقديرات إلى أن استمرار إغلاق المضيق قد يجعله أكبر اضطراب في سلاسل الإمداد والطاقة في التاريخ الحديث. ومع اعتماد العالم على أكثر من 190 مليون طن من الأسمدة سنوياً، فإن أي خلل طويل الأمد قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي بشكل يصعب تعويضه.
أزمة تعيد رسم الاقتصاد العالمي
تكشف هذه التطورات هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده على ممرات استراتيجية محدودة. ومع استمرار التوترات، يقف العالم أمام خيارين: احتواء الأزمة سريعاً، أو مواجهة مرحلة طويلة من التضخم واضطراب الأسواق، مع إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية على مستوى العالم.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
