مارلين سلوم
تعتبر إجازات الأعياد الفرصة الأهم لصناع الأفلام لتحقيق أرباح وكسب أكبر عدد حضور في الصالات، ورغم ذلك تجد تفاوتاً في الإقبال على ما يكون معروضاً في السينما، وفي نفس التوقيت، أفلام تنجح وأخرى تفشل، لكن ما حققه فيلم «برشامة» في انطلاق عرضه خلال إجازة عيد الفطر أشبه بالتظاهرة التي نادراً جداً ما ترى مثيلاً لها. بلغت مواعيد عرض الفيلم في إحدى الصالات 59 عرضاً في اليوم الواحد، أي أن السينما خصصت له أكثر من قاعة في توقيتات متقاربة جداً نظراً لكثافة الطلب عليه، فهل يستحق الفيلم كل هذا «الحب» من الجمهور أم أن النجاح الذي حققه أغلبية أبطاله في مسلسلات رمضان وتصدر هشام ماجد قيادة هذه المجموعة في فيلم كوميدي هما ما مهّد الطريق إلى كل هذا الإقبال الذي سيبقى علامة فارقة في تاريخ صناع الفيلم وتاريخ السينما العربية؟
لا شك أن ظهور ريهام عبد الغفور ومصطفى غريب وباسم سمرة الذين حققوا نجاحات كبيرة في مسلسلات رمضان، ومعهم عارفة عبد الرسول وحاتم صلاح وميشيل ميلاد بشاي وفاتن سعيد وفدوى عابد وكمال أبو رية ووليد فواز، شكّل دافعاً قوياً كي يقبل الجمهور على مشاهدتهم وبكل ثقة بالفيلم. وما زاد الجمهور ثقة هو أن قيادة هذه المجموعة القوية من الممثلين يتصدرها نجم الكوميديا المحبوب هشام ماجد الذي يثبت عملاً تلو الآخر أنه وصل إلى مرحلة الوعي التام وامتلاك مفاتيح الكوميديا الحقيقية، محافظاً على توازنه وتماسكه وجديته واحترامه للجمهور ولذكاء الجمهور. ولأن هشام ماجد يؤدي الكوميديا التي تتعمد إضحاك الناس لا الضحك عليهم، والضحك بالمواقف والكتابة المحترفة وخفة الظل والأداء بلا افتعال ولا استظراف، أصبح نجماً كوميدياً تفوّق بكثير على الأسماء التي عبرت في هذه الخانة ولم تثبت، مثل محمد سعد، وأيضاً أحمد حلمي الذي تراجع مؤخراً، وغيرهما.
ردود فعل
أرقام الإيرادات شاهدة على ما رأيناه من إقبال كبير في الصالات، وهي تؤكد أن «برشامة» أصبح رقم واحد في تاريخ السينما المصرية كأعلى افتتاحية ببيع 800 ألف تذكرة في أسبوعه الأول، وأعلى إيراد يومي بإجمالي 23 مليوناً و204 آلاف جنيه، وتخطى 89 مليون جنيه حتى كتابة هذه السطور، أي أنه بلا شك تجاوز حدود تكلفة إنتاجه وحقق أرباحاً، لكن الأهم هو ما حققه من نجاح ليس في شراء التذاكر، بل بعد الخروج من الصالات وردود فعل الجمهور بعد المشاهدة، وهنا المعيار الحقيقي والفاصل في معادلة نجاح العمل من فشله.
خلال المشاهدة تقرأ تفاعلات الناس مع ما يشاهدونه، خلال الحوار صمت، ثم تنفجر الضحكات في توقيت واحد وكأنها نوتة والجمهور يمشي وفق إيقاعها. ومن يشاهد الفيلم يدرك أن الكتابة لعبت دوراً مهماً، فنحن أمام أوركسترا من نجوم الشاشة، كلهم يملكون أدوات النجاح والقدرة على الإبداع، لكنها لا تكفي وحدها لتقديم عمل ناجح، إنما المفروض توفّر القصة المنطقية والنص المكتوب بحرفية والإتقان في تفاصيل التصوير والإخراج. المخرج خالد دياب أعاد تجربة التعاون مع هشام ماجد بعد نجاح مسلسلهما «أشغال شقة» بجزأيه، وقدم مع شيرين دياب وأحمد الزغبي قصة ذكرتنا ب«مدرسة المشاغبين» دون أن تكون اقتباساً أو نسخاً، حيث تدور أحداث «برشامة» في يوم امتحان اللغة العربية في لجنة الثانوية العامة (منازل)، يتوالى الطلبة على إحدى المدارس، ونكتشف أنهم من أعمار ومهن ومستويات مختلفة، عبد الحميد (هشام ماجد) الرجل المتدين المتفوق في التعليم «الدحيح» كما يقولون، الذي اختار إعادة الامتحان كي يحصل على مجموع أكبر من 92% الذي حصل عليه في المرة السابقة، كي يتمكن من دراسة الهندسة، فاتن (ريهام عبد الغفور) الراقصة التي تحلم بنيل الشهادة من أجل أن تتشرف بها ابنتها التي ما زالت طفلة رضيعة، حجاج (حاتم صلاح) البلطجي الخارج بمرافقة شرطية من السجن من أجل الامتحان، حليلة (مصطفى غريب) ابن عمدة إحدى القرى الذي أعد له والده عبد الرحيم بعيلة (باسم سمرة) كل الوسائل الممكنة لتغشيشه كي ينجح وينال الثانوية العامة ويصبح عمدة من بعد أبيه، إنعام (عارفة عبد الرسول) السيدة الكبيرة سناً والآتية كي تحقق حلمها في نيل الشهادة، وزينب (فاتن سعيد) الفتاة الطموحة التي تسعى إلى تطوير نفسها واستكمال تعليمها رغماً عن أخيها كامل (وليد فواز) الذي يرفض أن تتعلم ويضربها ويهددها إذا لم ترجع معه ومع خطيبها (محمد السويسي) ليتزوجها وتصبح سيدة منزل مطيعة ليس أكثر. ومن مجموعة الشباب والفتيات الموجودين للامتحان، شاب من جيل زد بالكاد يتحدث العربية تنتظره خارج المدرسة والدته الدكتورة رجاء السرجاني (فدوى عابد)، والتي تتمنى أن يجتاز ابنها اختبار اللغة العربية بأي شكل كي ينال الشهادة.
إذا كان في داخل المدرسة لجنة مراقبة، حيث مدير المدرسة شعبان (محمد أبو داود) والأستاذ المراقب داخل الفصل سعد عبد الغني الحناوي (كمال أبو رية)، فإن خارج أسوار المدرسة لجنة من نوع آخر، مؤلفة من العمدة عبد الرحيم بعيلة، ورجاله، وشيخ الغفر (مؤمن الحناوي) وسيد العربي (أحمد محارب) مدير أعمال الفنانة فاتن، والأستاذ درديري (ميشيل ميلاد بشاي) الذي يحضره العمدة رغماً عنه ويوسعه ضرباً حتى يقبل الاشتراك بعملية الغش مرغماً، وتلقين ابنه حليلة الإجابات كي يضمن النجاح.
بعد اكتشاف الأستاذ سعد عبد الغني أن حليلة يدعي الإصابة في رأسه، بينما يضع سماعة في أذنه موصولة بساعته الإلكترونية، ويتلقى من خلالها التعليمات من أبيه، يتجوّل بين الطلبة كي يمنع الغش، لكن تتوالى المواقف والمشادات بينه وبين حليلة فيقع أرضاً مغمى عليه، ولأنه يتنفس ويتكلم من خلال حلقة موصولة برقبته، يحسبه الطلاب ميتاً، فتسود الفوضى ويبدأ البحث عن وسيلة للغش. عبد الحميد (هشام ماجد) هو الوحيد الضامن للإجابات لكنه يرفض المشاركة في «هذه الجريمة»، يتصرف وفق قناعته الدينية وتشدده، بينما زينب المجتهدة والتي تملك الإجابات أيضاً نسيت كل شيء من شدة خوفها من شقيقها.
المواقف المضحكة والمفاجآت لا تنتهي، ما يُحسب لهشام ماجد أنه لم يقدم شخصية الرجل الظريف، بل هو المتطرف المتشدد غير المتعاون، وترك للممثلين الآخرين المساحة الأكبر لتقديم أنفسهم سواء في كبر ومساحة الدور أو في «الإفيهات» الكوميدية، مصطفى غريب وحاتم صلاح الأكثر بروزاً.
مفاجأة
المفاجأة الكبرى في الفيلم هي عارفة عبد الرسول التي تجسد دور امرأة كبيرة في السن، تبدو هادئة وطيبة بينما هي في الحقيقة غير ذلك تماماً، ومن اللقطات الذكية التي اعتمدها المخرج دياب أنه جعل إنعام هذه تخفي تحت عباءتها وداخل حذائها كل «برشامة» ممكن أن تجدها، وكل المراجع والكتب ما عدا كتاب اللغة العربية الذي يحتاجون إليه في هذا الامتحان، ليعكس شخصية إنعام التي تُظهر عكس ما تُبطن. كل الممثلين تبدو عليهم الجدية في الكلام والتصرف، لا أحد يفتعل أو يغير من تصرفاته كي يقنعك أنه يريد إضحاكك، مصطفى غريب مقنع جداً بدور الأبله العبيط الذي يحاول التصرف بذكاء، وباسم سمرة مقنع بدور العمدة الذي يريد لي ذراع الواقع كي يجعل من ابنه عمدة، وحاتم صلاح يؤدي دور مجرم وبلطجي ورغم ذلك لا نرى عنفاً مقززاً ولا بلطجة وفرد عضلات بل محاولات يائسة للحصول على الإجابات ونيل الشهادة. شخصية الفنانة الأشبه بفتاة الليل أدتها ريهام عبد الغفور بحرفية وبلا ابتذال. تشكيلة تشبه تشكيلة البشر الموجودة في المجتمع، وتوافقهم رغم أنهم يأتون من مستويات ومناطق مختلفة جاء منطقياً أيضاً، والأجمل أنه انتهى برفض للتطرف ورفض للعنف، والخروج الجماعي للطلبة ذكرنا بنهاية فيلم «الإرهاب والكباب» للمؤلف الكبير وحيد حامد والمخرج شريف عرفة وبطولة الكبير عادل إمام.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
