لم يكن من السهل، قبل سنوات قليلة فقط، تخيل عالم تهتز فيه السندات الغربية، التي طالما اعتُبرت حجر الزاوية في النظام المالي العالمي، بينما تصمد سندات دولة اشتراكية ذات اقتصاد موجّه جزئياً مثل الصين، التي تملك نحو 3.4 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، هي الأكبر في العالم.
وبلغ معدل التضخم في الصين، خلال 2025، مستوى قريباً من الصفر، ومن المتوقع أن يبقى أقل من 2%، وهو الهدف الرسمي للحكومة، وفي الوقت نفسه تستهدف الصين نمواً اقتصادياً بين 4.5%، و5% في عام 2026.
الحرب في إيران، وما رافقها من صدمة طاقة وتضخم واضطراب في الأسواق، دفعت المستثمرين إلى إعادة تعريف مفهوم «الملاذ الآمن». وفي هذا السياق، برزت سندات الحكومة الصينية كملاذ الحرب الأخير، ليس لأنها الأقوى اقتصادياً، بل لأنها الأقل تعرضاً للصدمات الجيوسياسية.
هذه الظاهرة لا تعكس مجرد حركة استثمارية عابرة، بل تمثل تحولاً عميقاً في بنية النظام المالي الدولي. إنها لحظة تاريخية يصبح فيها المال مرآة للسياسة، وتتحول فيها السندات من أدوات مالية إلى مؤشرات على توازن القوة العالمي.
عصر تعددية الملاذات
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكلت منظومة مالية دولية قادتها الولايات المتحدة، وتكرست فيها سندات الخزانة الأمريكية بوصفها الأصل الأكثر أماناً في العالم. كان المستثمرون، عند اندلاع أي أزمة — من حرب فيتنام إلى أزمة 2008 — يتجهون تلقائياً نحو واشنطن.
لكن ما نشهده اليوم يختلف جذرياً، فالعالم لم يعد يعيش في ظل قوة اقتصادية واحدة قادرة على امتصاص الصدمات نيابة عن الجميع، بل دخل مرحلة تعددية الملاذات، حيث تتنافس عدة مراكز مالية على لقب «الأكثر أماناً».
في هذه البيئة الجديدة، لم تعد القوة الاقتصادية وحدها كافية، بل أصبح الأمان المالي مرتبطاً بعوامل أخرى، مثل القدرة على إدارة التضخم وأمن الطاقة والاستقرار السياسي والاستقلال النسبي عن مسرح الحرب، وهنا تحديداً وجدت الصين فرصتها.
الحروب الكبرى لا تغير الخرائط العسكرية فقط؛ بل تعيد رسم خرائط المال. ففي كل مرة ترتفع فيها أسعار النفط أو تتعطل سلاسل الإمداد، تتحرك رؤوس الأموال بحثاً عن الاستقرار، وفي الحرب الحالية، كان الاختبار قاسياً على الاقتصادات الغربية، فارتفاع أسعار الطاقة دفع معدلات التضخم إلى مستويات مرتفعة، وأجبر البنوك المركزية على رفع أسعار الفائدة. والنتيجة كانت هبوط أسعار السندات، أي خسارة المستثمرين لجزء من قيمة أموالهم، وهكذا تحولت الأصول التي كانت ملاذاً آمناً إلى مصدر قلق. أما الصين، فوجدت نفسها في وضع مختلف تماماً. فهي لم تدخل الحرب مباشرة، وتمتلك احتياطيات طاقة ضخمة، وتدير اقتصادها عبر جهاز دولة قادر على التدخل السريع، لذلك لم تتعرض لضغوط التضخم نفسها، ولم تضطر إلى رفع الفائدة بشكل حاد، والنتيجة كانت استقرار سوق السندات، فالملاذ الآمن ليس الدولة الأقوى، بل الدولة الأقل تعرضاً للصدمات.
المال يبحث عن الاستقرار
لعل المفارقة الأكثر إثارة في هذه اللحظة التاريخية، هي أن رأس المال، الذي طالما ارتبط بالأسواق الحرة، أصبح يبحث عن الاستقرار حتى لو جاء من اقتصاد ذي طابع مركزي، فالمستثمر لا يسأل عن طبيعة النظام السياسي بقدر ما يسأل عن قدرة الدولة على حماية قيمة أمواله. في زمن الحرب، تصبح الأولوية للأمان لا للأيديولوجيا.
واستقر عائد السندات الحكومية الصينية لأجل 10 سنوات عند نحو 1.8%، وهو مستوى منخفض نسبياً، بينما ارتفعت عوائد السندات في الولايات المتحدة وأوروبا بأكثر من 20 نقطة أساس خلال الفترة نفسها، وحظي إصدار سندات صينية بقيمة ملياري دولار بطلبات شراء تجاوزت 40 مليار دولار.
ولهذا نرى اليوم صناديق استثمار غربية توجّه جزءاً من أموالها إلى الصين، رغم الخلافات السياسية بين بكين والعواصم الغربية. إنها براغماتية مالية بحتة، فقد تراجعت الأسهم الصينية بنحو 4.6% فقط، بينما تجاوزت خسائر أسواق آسيوية أخرى 10%، وبقيت العملة الصينية مستقرة نسبياً مقابل الدولار. هذه الظاهرة تذكرنا بحقيقة تاريخية أن الأسواق ليست ديمقراطية؛ إنها واقعية.
الصين ملاذ الضرورة
مع ذلك، يجب الحذر من المبالغة في تصوير الصين كبديل كامل للنظام المالي الغربي، فهي ليست سويسرا جديدة، ولا سنداتها خالية من المخاطر، بل إن صعودها الحالي يعكس ما يمكن تسميته ملاذ الضرورة، لا ملاذ الثقة.
بمعنى آخر، المستثمرون لا يتجهون إلى الصين، لأنهم يثقون بها أكثر، بل لأنهم يخشون المخاطر في أماكن أخرى، وهذا فرق جوهري، فالصين تواجه تحديات داخلية كبيرة، أبرزها تباطؤ النمو الاقتصادي وأزمة قطاع العقارات، وارتفاع ديون الحكومات المحلية وشيخوخة سكانية متسارعة.
هذه العوامل قد تقوض استقرارها المالي على المدى الطويل، لكن في زمن الحرب، تُؤجل المخاطر البعيدة لصالح الأمان الفوري. من الخطأ الاعتقاد أن الاقتصاد يمكن أن ينفصل عن السياسة، فالتاريخ يثبت أن المال يتبع القوة، وأن الأسواق تتحرك وفقاً لموازين النفوذ. وما يحدث اليوم في سوق السندات العالمية يؤكد هذه القاعدة.
إن انتقال جزء من رؤوس الأموال إلى الصين، يعكس تحولاً أعمق في موازين القوة الدولية. فالعالم لم يعد أحادي القطب مالياً، بل أصبح متعدد الأقطاب اقتصادياً وسياسياً. وهذا التحول له دلالات استراتيجية خطِرة، منها تراجع الاحتكار المالي الغربي وزيادة قدرة الدول الكبرى على مقاومة العقوبات وتآكل الهيمنة المطلقة للدولار، لكن هذا لا يعني نهاية النظام المالي الغربي. بل يعني بداية مرحلة جديدة من المنافسة.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت سندات الصين ملاذاً آمناً اليوم، بل ما إذا كانت هذه الظاهرة ستستمر غداً، فالتاريخ حافل بأمثلة لملاذات مؤقتة اختفت بعد انتهاء الأزمات، لكنّ هناك مؤشراً واحداً يصعب تجاهله وهو أن رأس المال بدأ يتحرك شرقاً.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
