اقتصاد / صحيفة الخليج

نمو الإنتاجية المدفوع بالذكاء الاصطناعي

مايكل سترين*

في خضم الطفرة المتسارعة للذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال الاقتصادي يقتصر على ما الذي سيحدث؟ بل بات أكثر عمقاً، ما الذي نريده أن يحدث؟
فمنذ ظهور «تشات جي بي تي» أواخر عام 2022، انشغل الاقتصاديون بتقدير أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي على الإنتاجية. لكن النقاش الأكثر إلحاحاً اليوم هو معياري بامتياز: ما هو حجم نمو الإنتاجية الذي ينبغي أن تسعى إليه المجتمعات؟
التاريخ يقدّم لنا تحذيراً واضحاً. فقد رافقت الثورة الصناعية في صدمات اجتماعية عميقة، إذ شهدت الأجور ركوداً، بل وتراجعاً، خلال العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، وتأخر تحسن مستويات المعيشة لسنوات طويلة. في المقابل، عانى كثير من العمال المسرّحين بطالة ممتدة، فيما اكتظت المدن بساكنيها الجدد وسط ظروف صحية متدهورة، وانتشرت الأمراض، وتحولت المصانع إلى بيئات عمل خطرة.
لم يكن غريباً، في هذا السياق المضطرب، أن يظهر أدب وفكر يعكسان قسوة المرحلة. وعندما كتب ماركس وفريدريك إنجلز عام 1848 أن الثورة المستمرة في وسائل الإنتاج تُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية برمتها، لم يكونا ينظّران بقدر ما كانا يصفان واقعاً معيشاً. عالمٌ يتبخر فيه كل ما هو صلب.
مع ذلك، يصعب إنكار الوجه الآخر للعملة. فالإنتاجية، أي حجم الناتج لكل عامل، هي المحرك الأساسي لتحسن مستويات المعيشة على المدى الطويل. زيادة الإنتاجية تعني أدوية أفضل، بيئات عمل أكثر أماناً، أعماراً أطول، ووقت فراغ أكبر. بل إن فروقاً صغيرة في معدلات النمو يمكن أن تُحدث تحولات هائلة. فمعدل نمو إنتاجية عند 3%، كما في ذروة ثورة الإنترنت في التسعينيات، كفيل بمضاعفة مستوى المعيشة خلال 24 عاماً، مقارنة ب47 عاماً عند معدل 1.5% بعد الأزمة المالية العالمية 2008.
لكن كيف نوازن بين هذه المكاسب والتكاليف الاجتماعية؟ هنا تبرز ثلاثة أسئلة مفصلية.
أولاً، ما الهدف النهائي للسياسات الاقتصادية؟ هل نسعى لتعظيم الناتج الإجمالي بأي ثمن؟ أم نفضّل نمواً سريعاً للدخول مع الحد من الفقر والبطالة طويلة الأمد؟ أم نعتمد نهجاً احترازياً يركّز على تقليل أسوأ السيناريوهات الممكنة؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست تقنية فحسب، بل سياسية وأخلاقية أيضاً.
ثانياً، ماذا عن الأجيال القادمة؟ كثيرون في مناطق «حزام الصدأ» ربما كانوا سيفضلون نمواً أبطأ للإنتاجية لو كان ذلك سيحدّ من فقدان وظائف التصنيع. لكن في المقابل، يصعب تخيّل أن أيّاً منا كان سيختار إبطاء التقدم خلال الثورة الصناعية الثانية، التي جلبت الكهرباء والإنتاج الضخم وغيرت مسار الحضارة.
ثالثاً، ما السرعة المثلى للتقدم التكنولوجي؟ فكلما تسارع الابتكار، ازدادت حدة الاضطرابات الاجتماعية، وصَعُب على العمال المسرّحين إيجاد فرص جديدة. وإذا كانت بريطانيا القرن الثامن عشر قد عجزت عن استيعاب صدمة المكننة السريعة، فإن الولايات المتحدة، إلى حد كبير، نجحت في إدارة التحولات خلال عصر المعلومات في أواخر القرن العشرين. والسؤال اليوم: هل ستكون ثورة الذكاء الاصطناعي أقرب إلى التجربة الأولى أم الثانية؟
جزء من الإجابة يكمن في تطور السياسات العامة. فقد أسهمت شبكات الأمان الاجتماعي وتوسيع التعليم في جعل اقتصادات متقدمة، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أكثر قدرة على امتصاص صدمات التغيير التكنولوجي. وهذا يمنحنا قدراً من التفاؤل.
من هذا المنطلق، يمكن القول: إن العالم لا ينبغي أن يخشى تسارع نمو الإنتاجية المدفوع بالذكاء الاصطناعي، بل يستعد له. فلو تمكنت هذه التكنولوجيا من رفع الإنتاجية بمعدلات تتراوح بين 5% و6% – وهي أعلى بكثير من وتيرة طفرة الإنترنت – فإن المكاسب المحتملة ستفوق التكاليف، شريطة وجود سياسات قادرة على إدارة التحول.
في ، «التدمير الخلّاق» يهدم ويُنشئ في آن واحد. وبينما تغرق السياسة الأمريكية في حنين إلى ماضٍ متخيلٍ زاهر، فإن قلة قليلة فقط سترغب فعلاً في العودة إلى سبعينيات القرن الماضي. والأرجح أن الأجيال القادمة ستنظر إلى زمننا بالطريقة نفسها، مرحلة انتقالية صعبة، لكنها كانت ضرورية لفتح آفاق أوسع من الازدهار.
* مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد «أميركان إنتربرايز»

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا