د. محمد الصياد*
كما كان الحال إبان جائحة كورونا، ها هو العالم على موعد جديد مع أزمة أخرى أكثر جسامة على الاقتصادات الوطنية وعلى الاقتصاد العالمي ككل، من كل الأزمات التي عرفها بعد الحرب العالمية الثانية. إنها حرب الخليج الرابعة. عرفت منطقة الخليج العربي ثلاث حروب كبرى: حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988)، وحرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت 1990-1991) من القوات العراقية المحتلة، وحرب الخليج الثالثة (الغزو الأمريكي للعراق 2003) التي أطاحت بنظام صدام حسين.
في هذه الأزمة بكّرت الأزمات في الظهور، لأنها ارتبطت بعصب الاقتصاد العالمي: قطاع الطاقة. فقد ارتفع سعر الجملة للغاز بنسبة 67%، وارتفعت أسعار النفط بنسبة 35% بين 28 فبراير و12 مارس 2026، نتيجة لاغلاق إيران مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقرب من 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال، نحو الأسواق العالمية. وتفاعلت الأسواق المالية مع تزايد المخاطر الإقليمية، حيث شهدت انخفاضات كبيرة في القيمة، بينما ارتفعت تكاليف التأمين والشحن، لتصل في كثير من الأحيان إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف مستوياتها الطبيعية. كما تعطلت حركة الطيران والسياحة، مع إلغاء رحلات جوية واسعة النطاق في جميع أنحاء المنطقة.
وبطبيعة الحال، سوف تلقي هذه الصدمات المفاجئة بظلالها على الميزانيات الحكومية، ما يزيد الاعتماد على الديون ويفرز فجوات في سيولة البنوك، وبضمنها البنوك المركزية التي تتعرض لضغوط قد تدفعها إلى تشديد السياسة النقدية، اعتبارًا بأن صناع السياسات النقدية مكلفون بالحفاظ على استقرار الأسعار، مع أن سبب التضخم (ارتفاع الأسعار) في هذه الحالة ليس ناتجًا عن ارتفاع الطلب وإنما هي الحرب التي تسببت في صدمة في العرض واضطراب حركة الشحن العالمية.
الوضع السائد المتمثل في تهديدات التضخم، يغري البنوك المركزية لتشديد سياستها النقدية، بحكم تجارب سابقة. لكن هنا، سوف يتعين التمييز بين التضخم الناتج عن الطلب والتضخم الناتج عن العرض. فعندما ينشأ التضخم من طلب مفرط (إنفاق كبير مقابل سلع قليلة)، يكون تدخل البنوك المركزية بتشديد سياستها النقدية من خلال رفع سعر الفائدة، صائباً. إذ يمكن أن يخفف ذلك من حدة التضخم دون التسبب في أضرار اقتصادية طويلة الأجل. لكن صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحرب الدائرة حالياً، تختلف عن سابقاتها. فمفاعيل الصدمة أثرت على إنتاجية الاقتصادات، وإن محاولة التعويض الكامل عن هذا الواقع بتشديد السياسة النقدية لن تحقق النتائج المرجوة بقدر ما قد تُؤدي إلى نتائج عكسية: انخفاض الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة، بالإضافة إلى ارتفاع الأسعار.
المستثمرون ليسوا بحاجة إلى تنبيههم وتنبيه جميع رواد السوق بصعوبة الوضع الذي قد تسوغه البنوك المركزية لتبرير ميلها لتشديد السياسة النقدية. المستثمرون يعون بخبرتهم أنه في حين تكون حالات انكماش السوق مؤقتة في العادة، فإن بعض الأزمات أو التحولات الهيكلية لا تزول بسرعة، ما يتطلب استراتيجية طويلة الأجل ومرنة بدلاً من ردود فعل مدفوعة بالذعر. يُظهر التاريخ أن الأزمات، مثل الأوبئة والحروب غالباً ما تترك آثاراً دائمة على الاقتصادات، ومع ذلك، فقد أثبت الاستثمار المستمر تاريخياً، جدواه على المدى الطويل.
ثم إن سؤالًا منطقيًا يطرح نفسه هنا: لماذا «تنفرد» البنوك المركزية ب«مرمى» الأزمة وتسارع من فورها لتطبيق تكليفها (Mandate) المتمثل في مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار، كأنها لاعب الهجوم الوحيد الذي يجيد التهديف في مرمى الأزمة! عليها أن تتذكر أن هناك لاعبين آخرين جيدين مثل وزارات المالية (أو الخزانة) التي تجيد التعامل مع مثل هذه المعطيات من خلال أدوات السياسة المالية (Fiscal policy) التي تتوفر عليها بحكم تكليفها الوظيفي، عبر آلية الإنفاق وآلية الضرائب والرسوم. بل إن البنوك المركزية نفسها لها دور إيجابي يمكن أن تلعبه إبان مثل هذا النوع من الأزمات الجيوسياسية التي لا دخل لهم في نشوبها وارتفاع الأسعار الناتج عنها. المطلوب منها، كما بقية مؤسسات إدارة الاقتصاد الكلي، هو تأمين استقرار النظام المالي ومنع امتداد الذعر إلى أسواق الائتمان. فهي تستطيع حماية جانب الطلب من خلال توفيرها السيولة لمنع الضغوط المالية من التسبب في تضخيم الصدمة. كما يمكنها طمأنة الأسواق بأن البنوك وأسواق رأس المال ستعمل بسلاسة من خلال ضمان سيولة كافية. ويمكنها أيضًا منع انهيار أوسع في الاستثمار والتوظيف عبر عمليات الشراء المعتادة في السوق المفتوحة
Open Market Operations. القصد ينصرف هنا إلى قيام البنوك المركزية المعنية بشراء الأوراق المالية الحكومية (سندات أو أذونات) من البنوك التجارية والمؤسسات المالية بهدف ضخ السيولة النقدية في النظام المصرفي، وزيادة المعروض النقدي، وخفض أسعار الفائدة، تعزيزًا للنشاط الاقتصادي. ومثلما هو مهم تصديها للآثار الأولية للصدمة، مهم أيضاً تركيزها على منع الآثار الثانوية على جانب الطلب. فالخطر لا يكمن فقط في الارتفاع الأولي لأسعار الطاقة، وإنما أيضاً في احتمال أن يؤدي ذعر المستثمرين، أو تشديد شروط الائتمان، أو انهيار الثقة، إلى انكماش اقتصادي عميق.
* خبير بحريني في العلاقات الاقتصادية الدولية
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
