تابع قناة عكاظ على الواتساب
ما جرى في بودابست لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تبدل عادي في السلطة، بل كزلزال سياسي تتجاوز ارتداداته حدود المجر نفسها، لأن سقوط فيكتور أوربان لا يعني فقط هزيمة رئيس وزراء مخضرم، بل هو انكسار رمز أوروبي ظل لسنوات يمثل أحد أبرز وجوه اليمين الشعبوي المشكك في الاتحاد الأوروبي. لقد كان أوربان أكثر من زعيم محلي؛ كان نموذجاً سياسياً ألهم قوى قومية وشعبوية في أنحاء القارة، ولذلك فإن خسارته تُقرأ أيضاً بوصفها إشارة إلى تراجع المد الشعبوي الذي صعد بقوة خلال العقدين الماضيين. ومن هذه الزاوية، فإن الهزة الهنغارية قد تترك أثراً معنوياً وسياسياً على أحزاب مشابهة في فرنسا وألمانيا والنمسا، لأنها تكشف أن هذا التيار، مهما بدا صلباً، ليس بمنأى عن التآكل ولا محصناً من السقوط. وفي المقابل، يمنح هذا التحوّل دفعة جديدة للفكرة الأوروبية بعد سنوات من التعطيل والتوتر داخل مؤسسات الاتحاد، لأن رحيل أوربان يعني إزالة واحد من أبرز معرقلي الإجماع في بروكسل، ويفتح المجال أمام قدر أكبر من التوافق، ولا سيما في القضايا الإستراتيجية الكبرى. ويبرز هنا الملف الأوكراني على نحو خاص، إذ إن الموقف الهنغاري في عهد أوربان كان يمثل ثغرة دائمة في الجبهة الأوروبية بسبب التردد في دعم كييف والتقارب مع موسكو، أما اليوم فإن تغيّر القيادة قد يسمح بولادة موقف أكثر انسجاماً مع الخط العام للاتحاد، بما يعزز تماسكه في مواجهة روسيا. ومع ذلك، فإن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة انهيار كل الثوابت التي رسخها أوربان، وهنا تكمن المفارقة الأهم. فالفائز الجديد، رغم خصومته السياسية معه، لا يبدو بعيداً تماماً عن بعض ركائز «العقيدة الهنغارية» فيما يتعلق بالهجرة والحدود، ما يعني أن الناخب المجري ربما أراد تغييراً ديمقراطياً داخلياً من دون أن يتخلى عن بعض حساسياته القومية. وهذا يفرض التمييز بين رغبة المجتمع في إنهاء إرهاق سياسي طويل، وبين تمسكه في الوقت نفسه ببعض الثوابت المرتبطة بالسيادة والهوية. أما في ملف اللاجئين فإن إرث أوربان يستحق مراجعة نقدية واضحة، لأنه اتسم بانتقائية ذات طابع طائفي حين جرى توظيف شعار دعم المسيحيين في سورية بطريقة عمّقت الانقسام بدل أن تؤسس لمقاربة إنسانية شاملة. والسؤال الآن هو ما إذا كانت القيادة الجديدة ستقطع هذا النهج، وستنخرط بصورة أوضح في المسار الأوروبي العام، أم أنها ستبقي على بعض قنوات التمايز القديمة؟ لكن الأهم أن هزيمة أوربان لا تعني نهاية الشعبوية الأوروبية، لأن الأسباب التي غذّتها لا تزال قائمة: القلق الاقتصادي، وسؤال الهوية، والتوجس من العولمة والهجرة. الجديد فقط أن «النموذج المجري» لم يعد يبدو ملهماً كما كان، وأن اليمين المتطرف في أوروبا تلقى ضربة معنوية مؤلمة بفقدانه أحد أبرز رموزه. لذلك يمكن القول إن رحيل أوربان يمنح المشروع الأوروبي نفساً جديداً، لكنه لا يلغي التحدي الحقيقي، وهو قدرة القيادة الجديدة في بودابست على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاتحاد الأوروبي وبين تطلعات ناخب مجري لا يزال يميل إلى القومية في ملفات معينة، وعلى رأسها الهجرة والسيادة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
