في تمام الرابعة فجراً، حين يغلف الصمت أرجاء محافظة فوكوشيما اليابانية، تفتح السيدة يوشي واتانابي، باب منزلها لتستقبل نسمات الصباح الباردة، معلنة بدء طقسها اليومي الذي لم يتبدل منذ أكثر من ثلاثين عاماً؛ جولة توزيع الصحف التي لا تعرف الكلل.
ولدت يوشي عام 1934، واليوم، وهي بعامها الثاني والتسعين، لا تحمل في حقيبتها أخبار العالم فحسب، بل تحمل لقباً عالمياً توجتها به موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية كأكبر موزعة صحف في العالم، وهو استحقاق نالته وهي في عمر الـ 91 عاماً و152 يوماً.
وتقطع يوشي مساراً يمتد لمسافة كيلومتر ونصف الكيلومتر سيراً على الأقدام، في رحلة تستغرق ساعة ونصف الساعة من فجر كل يوم. ترافقها في دربها عربة يدوية صغيرة، لا تنظر إليها يوشي كمجرد أداة عمل، بل تصفها بـ «الصديقة الوفية» التي تتكئ عليها بدلاً من عصا المشي، وتأتمنها على أثقال الورق والأنباء.
وفي ذروة الشتاء الياباني، حين يتراكم الثلج لتعجز العربة عن الحركة، لا ترفع يوشي الراية البيضاء؛ بل تحزم الصحف على ظهرها في انحناءةٍ مهيبة، وتضاعف جولتها لتصبح اثنتين بدلاً من واحدة، مغلفة جسدها بطبقات من الصوف والملابس لتصمد في وجه الصقيع، مؤكدة أن أمانة الحرف لا بد أن تصل لأصحابها مهما بلغت شدة الريح.
دخلت يوشي هذا العالم بمحض الصدفة، فبعد زواجها في الثلاثين من عمرها وانتقالها إلى منطقة «ريوزين»، طرقت باب العمل في توزيع الصحف لسد فراغ يومها. لم تكن تعلم حينها أن هذه «الوظيفة» ستكون رفيقة عمرها الطويل.
وفي حديثها لموسوعة «غينيس»، تبدي المسنة بساطة تفيض حكمة؛ فالاستيقاظ الباكر بالنسبة لها ليس عناء، بل هو نافذة تطل منها على جيرانها وأصدقائها في الحي، وجسر يربطها بالحياة والناس.
وعلى الرغم من الأضواء التي سلطها التكريم العالمي عليها، تظل يوشي وفية لتواضعها المعهود، معتبرة لقبها العالمي مجرد تفصيل عابر في «نزهتها الصباحية»، ومؤكدة أن قدميها اللتين اعتادتا الدرب لن تتوقفا عن السير، فالحياة بالنسبة لها ليست في بلوغ الهدف، بل في الرحلة التي تبدأ كل يوم عند الرابعة فجراً.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
