تعد العصور المظلمة واحدة من أكثر الفترات إثارة وتأثيرا في تاريخ الإنسان خلال العصور الوسطى إذ جاءت هذه المرحلة محملة بتحولات عنيفة وانهيارات واسعة على المستويين الثقافي والاقتصادي بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية وهو ما جعل العالم يدخل زمنا مختلفا تسوده الفوضى والتراجع والانقسام وفي تلك الحقبة لم تكن الحياة معقدة بالمعنى التقني المعروف لاحقا لأن الآلات لم تكن قد غيرت شكل العالم بعد ولم تكن الثورات الكبرى قد أعادت تشكيل المجتمع كما حدث في القرون التالية ومع ذلك فإن بساطة الحياة في ذلك الوقت لم تكن تعني الراحة أو الهدوء بل كانت تقترن بقسوة يومية وظروف مرهقة وصراع دائم من أجل الاستمرار ولهذا تبدو هذه الفترة بيئة مثالية للغاية لأي عمل فني يبحث عن الثقل والرهبة والدراما وخصوصا لألعاب الفيديو التي تستطيع استثمار هذا المناخ في صناعة عوالم شديدة الكثافة والوقع.
وتلجأ كثير من الألعاب إلى هذه المرحلة التاريخية لأنها تعكس زمنا أكثر قربا من جوهر الإنسان الخام حيث لم تكن النجاة أمرا مضمونا ولا كان الوصول إلى النجاح متاحا بسهولة بل كان البقاء نفسه معركة مستمرة تتطلب الصبر والقوة والتحمل وفي مثل هذا السياق تصبح الشخصيات أكثر التصاقا بضعفها ورغباتها وخوفها ويصبح العالم المحيط بها أكثر صدقا في قسوته وأشد قدرة على خلق التوتر والتحدي ومن الطبيعي أن لا تلتزم جميع الألعاب بالدقة التاريخية الكاملة عند بناء عوالمها لأن كثيرا منها يفضل إعادة تشكيل تلك الفترة بخيال خاص أو بإضافات درامية وفانتازية تخدم التجربة أكثر من التوثيق الصارم لكن ما تكشفه هذه الأعمال بوضوح هو أن العالم خلال ما يقارب ألف عام كان يعيش حالة ممتدة من الاضطراب والتحولات العنيفة وأن هذه الفوضى نفسها هي ما يمنح تلك الفترة هذا السحر الخاص في السرد والتصميم والأجواء.
وقد تم استبعاد Doom The Dark Ages من هذا التصنيف لأن اللعبة رغم جاذبية اسمها وأسلوبها البصري لا تبدو معتمدة بصورة حقيقية على التاريخ الإنساني بوصفه أساسا لعالمها أو لأفكارها بل تكتفي في الغالب بالاستفادة من الطابع الشكلي والجمالي المرتبط بهذه الحقبة دون أن تنغمس فعليا في ظروفها أو روحها التاريخية ومع ذلك فهذا لا ينتقص من قيمة اللعبة نفسها لأنها تظل تجربة قوية وممتعة للغاية لكن وجودها هنا لم يكن منسجما مع طبيعة القائمة التي تركز على الأعمال الأقرب إلى أجواء العصور المظلمة من حيث البناء العام والهوية لا من حيث المظهر الخارجي فقط.
ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن مفهوم العصور المظلمة في حد ذاته ليس محددا بدقة مطلقة بين الجميع لأن هذه التسمية ظلت دائما محل اختلاف في التأريخ والتوصيف وتتنوع الآراء حول بدايتها ونهايتها وحدودها الزمنية الدقيقة لكن في هذا السياق تم اعتمادها بوصفها تمتد من عام 500 إلى عام 1500 وهو نطاق واسع يسمح باحتواء مراحل متعددة من التحول والانقسام والصراع داخل أوروبا ومناطق أخرى ويمنح مساحة أكبر لاختيار ألعاب تجسد هذا الإطار التاريخي الواسع بما يحمله من حروب وانهيارات ومجاعات وصعود قوى جديدة وتغيرات عميقة في شكل العالم والإنسان.
A Plague Tale Innocence ومن أشد صور العصور الوسطى قتامة

التفاصيل
تقع الأحداث في قلب فترة Black Death.
تركز على الهشاشة والأجواء الخانقة أكثر من اعتمادها على القتال المباشر.
تقدم A Plague Tale Innocence صورة شديدة القسوة للعصور الوسطى الأوروبية لكن من زاوية شخصية ضيقة ومؤلمة تجعل كل شيء أكثر قربا وتأثيرا فهي لا تنشغل بتقديم حرب ضخمة أو صراع واسع بقدر ما تركز على الإنسان حين يجد نفسه محاصرا بالخوف والمرض والانهيار الكامل لما كان يظنه عالما مستقرا ومن خلال هذا المنظور تنجح اللعبة في تجسيد وحشية تلك المرحلة التاريخية بطريقة تمس المشاعر مباشرة لأنها تنقل المعاناة على مستوى يومي وإنساني وتجعل البقاء نفسه يبدو مهمة مرهقة ومستمرة لا تنتهي.
وتدور أحداث اللعبة خلال Black Death وهي واحدة من أكثر الفترات ترويعا في التاريخ الأوروبي ولهذا تستمد قوتها من الإحساس الدائم بأن الموت حاضر في كل مكان وأن الأمان لم يعد موجودا لا في الطرق ولا في البيوت ولا حتى بين الناس أنفسهم فالعالم هنا لا ينهار بسبب معركة واحدة أو عدو واضح فقط بل بسبب خوف عام يلتهم المجتمع من الداخل ويحول الحياة إلى سلسلة من الهروب والحذر والانكسار وهذا ما يجعل التجربة مختلفة لأن التهديد لا يأتي من الخارج وحده بل من البيئة نفسها ومن حالة التفكك التي أصابت كل شيء.
وتختار A Plague Tale Innocence أن تجعل الضعف جزءا أساسيا من هويتها فلا تعتمد على القوة المباشرة أو على الإحساس بالسيطرة الكاملة كما تفعل ألعاب كثيرة بل تبني تجربتها على الشعور بالهشاشة وعلى الإحساس بأن الشخصيات الرئيسية مكشوفة وضعيفة ومعرضة للخطر في كل لحظة وهذا القرار يمنح اللعبة ثقلا عاطفيا واضحا لأن اللاعب لا يشعر أنه يقود أبطالا لا يقهرون بل يرافق شخصيات تحاول فقط النجاة والتمسك ببعضها وسط عالم فقد توازنه بالكامل ومن هنا تأتي قيمة أسلوب اللعب المقيد والمدروس لأنه لا يحد من التجربة بل يعمقها ويجعل كل خطوة وكل مواجهة وكل لحظة صمت ذات معنى أكبر.
وتبرز قوة اللعبة أيضا في نبرتها العامة لأن الأجواء فيها ليست مجرد خلفية بصرية جميلة بل عنصر أساسي في تشكيل الإحساس الدائم بالكآبة والاختناق فالبيئات تبدو ثقيلة ومعادية ومظلمة وكأنها تشارك في تعذيب الشخصيات ودفعها إلى حافة الانهيار كما أن الخطر لا يتوقف عن ملاحقة اللاعب وهذا التوتر المستمر يمنح الرحلة إيقاعا نفسيا مرهقا ومقصودا يجعل بعض اللحظات تبدو خانقة إلى درجة كبيرة وكأن العالم كله يضغط على الشخصيات من كل اتجاه ولا يترك لها فرصة حقيقية للتنفس أو الراحة.
وما يزيد من تميز A Plague Tale Innocence أنها لا تسقط في فخ تجميل تلك الحقبة أو تقديمها بصورة رومانسية مخادعة بل تتعامل معها بجدية واضحة وتعرضها كما لو كانت جرحا مفتوحا في تاريخ الإنسان فهي تقدم الحياة في تلك الفترة بوصفها تجربة قاسية وموجعة ومليئة بالفقد والاضطراب والقلق المستمر وبدلا من أن تحول العصور الوسطى إلى مسرح للبطولة اللامعة أو المغامرة الخفيفة فإنها تكشف مقدار الرعب الإنساني الكامن فيها وتصور واحدة من أكثر المراحل تدميرا في التاريخ على نحو واقعي ومؤثر ولهذا تبدو اللعبة واحدة من أقوى الأعمال التي استخدمت تلك الفترة لا من أجل الزينة أو الاستعراض بل من أجل بناء تجربة إنسانية ثقيلة ومؤلمة يصعب نسيانها.
كاتب
لاعب متمرس، أعشق ألعاب القصة، ولا أجد حرجًا في قول أنني أحب ألعاب التصويب من منظور الشخص الأول أيضًا.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة سعودي جيمر ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من سعودي جيمر ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
