قبل أكثر من أربعة عقود، حين كنت طالباً جامعياً، أهداني صديق أمريكي قلماً نادراً صُنع في الولايات المتحدة. لم يكن مجرد أداة للكتابة، بل رمزاً لجودة كانت تبدو آنذاك بعيدة المنال، ومهارة صناعية تصعب منافستها.
بعد سنوات طويلة، أعاد إليّ مقطع فيديو تلك الذكرى، لكن مع انقلاب كامل في الأدوار والاتجاهات.
في الفيديو، يروي ميكانيكي أمريكي كيف اشترى أدوات صينية عبر الإنترنت، ليجد داخل الطرد قفازات عمل قطنية بسيطة، أُضيفت كهدية غير متوقعة. استحضرت تلك اللفتة لديه هدايا الطفولة، علكة مرفقة ببطاقات بيسبول، أو زيت إضافي للمحرك في محطات الوقود، أو قطعة دونات مجانية.
في ذلك الوقت، كانت الشركات الأمريكية تهتم حقاً بعلاقاتها مع عملائها. أما اليوم، فقد أصبحت التجارة الأمريكية أكثر دقة... لكنها أيضــاً أكثــر برودة. الخوارزميات تعرف ما تريد، لكنها لم تعد تكترث بك كإنسان.
ثم انتقل الميكانيكي إلى تقييم الأدوات نفسها. لم تكن توقعاته جيدة للمنتج؛ فالسعر المنخفض جعله يظن أن الأدوات قد لا تصمد سوى لاستخدام واحد. لكن المفاجأة كانت في الجودة، التي دفعته للتفكير بأنه قد يستخدمها لسنوات.
بالنسبة لي، عند مشاهدة ذلك الفيديو، لم تكن الرسالة الأساسية التي خطرت ببالي: «يا له من تطور هائل في الصناعة الصينية!». ما لفت انتباهي كان أعمق من ذلك بكثير: «ربما لا يدرك هذا الميكانيكي أن جودة المنتج الذي يحمله في يده ليست صدفة، بل نتيجة قوة هيكلية تعمل في الخلفية، قوةٌ بنتها الصين تدريجياً عبر خططها الخمسية المتعاقبة».
في مارس/آذار الماضي، أقرت الصين الخطوط العريضة لخطة التنمية الخمسية الخامسة عشرة. وقد نشر مركز أبحاث «المجلس الأطلسي» في واشنطن، تحليلاً يحذر صانعي القرار الأمريكيين من صعود الصين في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية، واستمرار زخم الصادرات، وطموحها لأن تصبح أكبر ممول عالمي للبحث والتطوير.
هذه الملاحظات صحيحة، لكنها تظل ناقصة. فما رآه المركز كان مجرد تحركات على رقعة شطرنج استراتيجية، أما ما يمثله هذا الزوج من القفازات فهو العنصر الحاسم في اللعبة.
لا تكمن قوة الصين في البحث العلمي أو توفر المواد الخام فحسب، بل في قدرتها وكفاءتها الإنتاجية أيضاً. والأدوات التي اقتناها الميكانيكي الأمريكي من الصين ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من التحويل الصناعي المتكامل.
صرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن الولايات المتحدة ستتحرك «بسرعة فائقة خلال العامين المقبلين» لتقليل اعتمادها على المعادن الأرضية النادرة الصينية.
لا شك في جدية هذا الطموح. لكن ربما لا يدرك الوزير تماماً أن ما ينبغي التحرر منه لم يعد مجرد المعادن. فحين تتحول هذه المعادن إلى أدوات، ثم إلى جودة، ثم إلى ثقة، ثم في نهاية المطاف، إلى قفازات تجعل عاملاً أمريكياً يشعر بأنه موضع تقدير حقيقي، فإن فك الارتباط عند مستوى المواد الخام وحده يصبح غير كافٍ إطلاقاً.
ثمة منطق يغيب باستمرار عن كثير من المراقبين في الغرب، وهو أن ساحة المعركة الحقيقية في صعود التصنيع الصيني ليست المختبرات ولا الوثائق السياسية، بل التجربة اليومية للمستهلكين حول العالم.
تكمن القوة الحقيقية لخطط الصين الخمسية في قدرتها على التنفيذ، لا مجرد السرديات الكبرى. فهي تُترجم الاستراتيجية الوطنية إلى تعليمات في المصانع، ثم تُترجم ما يخرج من تلك المصانع إلى شيء ملموس يشعر به المستهلكون في أقصى بقاع الأرض. وهذا بالضبط جوهر الميزة التنافسية التي بنتها الصين عبر أربعة عقود من التصنيع المتراكم.
لذلك، حين نتساءل كيف ينبغي للولايات المتحدة أن تقرأ الخطة الخمسية الصينية الجديدة، فالإجابة، ألا تكتفوا فقط بمتابعة التصويت في قاعة الشعب الكبرى، ولا في تفكيك الكلمات المفتاحية في الوثائق الاستراتيجية. انظروا إلى شيء أبسط بكثير، إلى القفازات، واستمعوا إلى ما قاله ذلك الميكانيكي الأمريكي.
ففي تلك الهدايا الصغيرة غير المعلنة، والمخبأة داخل صناديق الشحن القادمة من مصانع الصين التي لا تُحصى، تتجلى القوة التنفيذية الحقيقية لخطط البلاد التنموية، يوماً بعد يوم.
* باحث في معهد «تشونغيانغ» للدراسات المالية، ومحرر في صحيفة «بيبولز ديلي» (غلوبال تايمز)
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة الخليج ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة الخليج ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
