عرب وعالم / السعودية / عكاظ

«الرحم الروبوتي» هل يحمل؟!

شهد العالم في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في النقاشات العلمية والطبية والدينية والاجتماعية حول إمكانية تطوير أرحام اصطناعية قادرة على احتضان الأجنّة البشرية خارج جسد الأم. وجاء هذا الجدل ً للتقدّم المتسارع في مجالات الهندسة الحيوية وتقنيات رعاية الخُدّج، إضافة إلى التغطية الإعلامية الواسعة التي قدّمت هذه الأبحاث؛ بوصفها خطوة قد تغيّر مستقبل الحمل والولادة. وبينما يرى بعض العلماء أن هذه التطورات قد تمنح الأمل لمن يعانون من العقم أو من صعوبات الحمل، يعبّر آخرون عن مخاوف عميقة تتعلق بحدود التدخل البشري في الخلق، وبالأبعاد الأخلاقية والدينية والاجتماعية التي قد تترتب على فصل عملية الحمل عن الجسد البشري. وهكذا تحوّل موضوع الأرحام الاصطناعية إلى ساحة تتقاطع فيها الفلسفة مع العلم، والدين مع القانون، وتُطرح فيها أسئلة جوهرية حول معنى الأمومة والإنجاب ومستقبل الإنسان.

ورغم ما يحققه الباحثون من تقدّم في تقنيات دعم الأجنّة ورعاية الأطفال الخُدّج، يبقى الرحم البشري معجزة إلهية متكاملة، تتداخل فيها أنظمة دقيقة من الهرمونات والمناعة والتغذية والنمو، لا يستطيع أي مختبر أن يعيد تشكيلها على حقيقتها. ورغم ما قد يتخيّله البعض من قدرة التكنولوجيا على مجاراة أسرار الخلق، تبقى الحقيقة الساطعة أن الخلق الإلهي يظلّ معجزة لا تطالها الآلات ولا تُدركها العقول. فالرحم ليس مجرد حاضنة، بل منظومة ربانية تتفاعل فيها الحياة مع إرادة الله لحظة بلحظة، في توازن لا يمكن للعلم أن ينسخه أو يقترب من كماله.

وكلما حاول الإنسان أن يمدّ يده إلى مناطق القدرة الإلهية، تكشف له محاولاته حدود قوته، وتذكّره بأن سرّ الحياة بيد الخالق وحده. ومن هنا يتولّد الجدل وتشتدّ المواقف؛ فهناك من يرى في هذه التقنيات إنقاذاً طبياً، وهناك من يعتبرها تجاوزاً لحدود لا ينبغي للإنسان أن يتخطاها، لأن بعض البشر ظنّوا أنهم قادرون على منافسة قدرة لا تُنافس.

ولأهمية هذا الموضوع، توجهنا إلى الأطباء والمختصين والشرعيين لنستمع إلى آرائهم، ونقف على رؤاهم العلمية والفقهية، ونفهم أبعاد هذه القضية من مختلف جوانبها.

بين الواقع والتهويل

استشاري العقم وتقنيات المساعدة على الإنجاب وطب النساء والولادة الدكتور ناصر زياد السعد، أوضح لـ«عكاظ» أن ما يُشاع حول (روبوتات تحمل وتلد) هو تصور غير دقيق، مؤكداً أن العلم لم يصل بعد إلى أي تقنية قادرة على احتضان حمل كامل خارج جسد المرأة. وقال: إن اللبس المنتشر بين الناس ناتج عن الخلط بين (الرحم الاصطناعي الكامل) وبين (الحاضنات المتقدمة) المستخدمة للمواليد الخدّج.

وبيّن السعد أنَّ ما هو مثبت علمياً اليوم هو وجود حاضنات تحاكي بعض بيئة الرحم، تُستخدم في العناية بالمواليد شديدي الخداج، وقد تُدار بأنظمة ذكاء اصطناعي لمراقبة العلامات الحيوية وضبط الأكسجين والسوائل والتنبؤ بالمضاعفات. لكنه شدد على أن هذا لا يُعد محاكاة ميكانيكية مستقلة، بل «احتضان بيولوجي جزئي» لا يقترب من تعقيد الرحم البشري.

مخاطر محتملة

وأضاف الدكتور السعد أن العلم لم ينجح حتى الآن في تكوين مشيمة صناعية أو محاكاة التفاعل الهرموني العصبي بين الأم والجنين، وهو ما يعكس عظمة الخالق سبحانه وتعالى (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه). وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إنشاء الحياة، ولا إدارة التطور الجيني والعصبي، ولا القيام بوظائف المشيمة أو التفاعلات المناعية والهرمونية المعقدة.

وحذّر السعد من المخاطر المحتملة على الجنين في بيئة اصطناعية، مثل اضطرابات التطور العصبي، وضعف التكيف المناعي، واختلال وظائف القلب والرئتين، إضافة إلى اضطرابات سلوكية ونفسية محتملة. وختم بأن الاستغناء الكامل عن الرحم البشري لا يزال أمراً بالغ الصعوبة، وأن الأبحاث بعيدة جداً عن الوصول إلى حمل كامل خارج الجسد الإنساني.

دعم للبيولوجية وليس استبدالها

من جانبها، أوضحت استشارية النساء والولادة والعقم وجراحة الإخصاب الدكتورة حنان عواد العنزي، أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحقن المجهري (ICSI) يوضح بجلاء حدود دور التكنولوجيا في الطب الإنجابي؛ فالذكاء الاصطناعي يساعد في تحسين دقة اختيار الحيوان المنوي الأنسب أو تقييم جودة الأجنة، لكنه لا يتدخل في تكوّن الجنين أو نموه الطبيعي.

وأكدت أن هذا المثال يوضح الفرق بين «دعم العملية البيولوجية» و«محاولة استبدالها»، وأن نجاح الذكاء الاصطناعي في المراحل المبكرة لا يعني قدرته على محاكاة الرحم أو تعويض العلاقة الحيوية بين الأم والجنين. وأضافت أن التقنيات الذكية قد تتحكم في بعض العوامل المحيطة بالجنين، مثل الحرارة أو التغذية، لكنها لا تستطيع محاكاة التفاعل العاطفي والهرموني والمناعي الذي يربط الأم بجنينها.

الأمومة ليست

وظيفة تقنية

أما استشارية النساء والولادة والهرمونات البديلة الدكتورة حياة معتوق الحارثي، فقد تناولت الموضوع من زاوية إنسانية وروحية، مؤكدة أن الأمومة ليست مجرد عملية بيولوجية، بل علاقة عميقة تجمع بين الروح والجسد والمشاعر. واستشهدت بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ...)، محذّرة من «الافتراء والجرأة على الخلق الإلهي».

وتساءلت الحارثي: كيف يمكن لرحم صناعي أو روبوت أن يمنح الجنين ما تمنحه الأم من حب وحنان ودفء وأمان؟ وكيف يمكن للآلة أن تستبدل رحلة الحمل التي تعيشها المرأة بكل تفاصيلها الجسدية والعاطفية؟

وأضافت أن الأمومة ليست مجرد إنجاب، بل ارتباط روحي وتكوين مشترك بين الأب والأم، وأن الأسرة لا تقوم على التقنية بل على المودة والرحمة والاحتواء.

وأكدت أن مثل هذه الأفكار قد تزيد من تفكيك الأسرة وتقليل قيمة الأم ودورها في التربية، متسائلة: «هل سنحتاج إلى روبوت يوزّع المشاعر والحنان؟ وهل ستكون الجنة تحت أقدام الروبوتات؟».

هرمونات ومناعة وتفاعل نفسي

الدكتورة ظافرة القحطاني أوضحت أن ما يُعرف بالرحم الاصطناعي أو Ectogenesis نجح جزئياً في إبقاء أجنة حيوانية حية في مراحل متقدمة، وفي دعم أطفال خدّج جداً لإكمال نموهم خارج رحم الأم. لكنها أكدت أنه لا يمكن لهذه التقنية بدء الحمل من الصفر، ولا يمكنها تعويض التعقيد الهائل للرحم البشري من حيث الهرمونات والمناعة والتفاعل النفسي والعاطفي. وأضافت أن الأجهزة المتقدمة لحفظ الأجنة توفر بيئة مراقبة، لكنها ليست كياناً مستقلاً قادراً على إدارة الحمل.

تساؤلات قانونية ومسؤولية مضاعفة

المستشار الإعلامي جيلاني شايق الشمراني، أكد أن مثل هذه القضايا تضع الإعلام أمام مسؤولية كبيرة، لا تقتصر على نقل المعلومة، بل تشمل ضبط الخطاب الإعلامي والتمييز بين التقدم العلمي الحقيقي والتهويل الدعائي الذي يصنع تصورات غير دقيقة لدى الجمهور.

وأشار إلى أن الحديث عن الحمل الاصطناعي يثير تساؤلات قانونية معقدة، مثل: من يضع الإطار القانوني لهذه الابتكارات؟ وأي الدول قد تسمح بها؟ ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع أضرار؟

وشدد على أن الإعلام الرسمي يجب أن يستند إلى مصادر علمية موثوقة، وأن القنوات الإعلامية مطالبة باختيار ضيوف مختصين وعدم تحويل القضايا العلمية الحساسة إلى مادة لـ(الترند). كما نوّه بالدور الرقابي للهيئة العامة لتنظيم الإعلام في ضبط المحتوى ومنع التضليل.

وختم بأن المجتمعات لا تزال تميل إلى رفض مثل هذه الطروحات؛ لأنها تمس جوهر الأسرة والإنسان ومعنى الحياة، مؤكداً أن الإعلام الواعي هو خط الدفاع الأول في حماية المجتمع.

صوت الجمهور..

مخاوف إنسانية حقيقية

الجمهور، بدوره، لم يقف صامتاً أمام هذه الطروحات، فقد تساءلت سارة القحطاني: هل من الممكن أن ينمو الطفل داخل رحم روبوت؟ وهل سيكون طفلاً طبيعياً من ناحية المشاعر والتفاعل؟ وهل سيُوضع على صدر أمه عند الولادة؟ وأضافت أن الرحم ليس مجرد مكان للنمو، بل بداية الارتباط الإنساني.

أما شريفة العمري، وهي أم، فرأت أن الحمل نعمة عظيمة لا يمكن للتقنيات أن تمنح بديلاً عنها، وأن المشيمة والحبل السري جزء من الفطرة التي لا يمكن استنساخها.

عبث

فاشل آثم

عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المنيع اعتبر أن فكرة الرحم الاصطناعي «عبث من الشيطان»، مستشهداً بقوله تعالى (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ). وقال إن هذا النوع من الابتكار «عبث فاشل آثم»، لأنه استجابة للشيطان وعصيان للرحمن، مؤكداً أن الأمومة لا يمكن تحويلها إلى وظيفة آلية.

خلاصة:

إن الادعاء بأن التكنولوجيا قد تحلّ محلّ هذا الإبداع الإلهي ليس تقدّماً، بل وهم يكشف غرور الإنسان وضعف إدراكه لحدود نفسه. فالله هو الذي يصوّر في الأرحام كيف يشاء، ولا آلة ولا مختبر يستطيع أن ينسخ حكمته أو يبلغ كمال خلقه. ومن هنا يشتدّ الجدل؛ لا لأن العلم تقدّم، بل لأن بعض البشر تجاوزوا حدودهم وظنّوا أن بإمكانهم الاقتراب من قدرة لا تُضاهى.

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا