14 مايو 2026, 12:37 مساءً
في البدء.. لم يكن أحد يتوقع أن شابًا سعوديًا يجلس خلف “مايك” بسيط، ويتحدث بلهجة محلية خفيفة تشبه قهوة آخر الليل، سيصبح بعد سنوات أحد أكثر المؤثرين على الوعي العام في المملكة.
لم يكن يملك استوديوهات عملاقة، ولا مذيعين بأصوات إذاعية من زمن “هنا لندن”، ولا ذلك المذيع الذي يقرأ الأخبار وكأنه يعلن بدء الحرب العالمية الثالثة.
كان يملك شيئًا أخطر.
“السوالف”
وهكذا وُلد “المحتوى المملوح”.
ذلك المصطلح الذي لا يمكن تعريفه أكاديميًا بسهولة، لكنه يُفهم فورًا حين تسمعه.
محتوى يشبه “ملوحة” الكبسة السعودية.. لا هو فصيح حدّ الجمود، ولا عامي حدّ الابتذال، بل خلطة ذكية من العفوية، والعمق، والضحك، والصدق، و”يا رجال خلك طبيعي”.
المحتوى المملوح لم يدخل على الناس من بوابة “أيها المشاهد الكريم”..
دخل عليهم من باب:
“تعال اسمع سالفة”.
وهنا كانت الكارثة الكبرى على مدرسة الإعلام القديم.
الإعلام القديم "بعضه" كان يعتقد أن الوقار يعني أن تتحدث وكأنك تبتلع قاموسًا عربيًا كاملًا، وأن الجدية تستلزم وجهًا خاليًا من أي تعبير بشري، وأن المذيع الناجح يجب أن يبدو كموظف يمنع الضحك عند الحدود.
ثم ظهر هذا الشاب.
استضاف الناس كما هم.
تكلم كما يتكلم الناس.
ضحك حين يضحك الناس.
وسمح للضيف أن يكون “إنسانًا” لا “منصبًا”.
وفجأة.. اكتشف المجتمع السعودي شيئًا صادمًا:
أن الوزير يستطيع أن يكون خفيف ظل.
وأن العالم يمكنه أن يروي قصة طفولته.
وأن المسؤول قد يتحدث عن خوفه وفشله وتجاربه الأولى دون أن تسقط هيبة الدولة.
وهنا بالتحديد انتصر “المحتوى المملوح”.
لقد كسر البروتوكول دون أن يكسر الاحترام.
وأذاب الرسمية دون أن يذيب القيمة.
وصنع مدرسة جديدة لا تعتمد على “التلقين”، بل على “الأُنس”.
شيئًا فشيئًا.. لم تعد الشركة مجرد منصة بودكاست.
تحولت إلى “مزاج مجتمع”.
الناس لم تعد تشاهد المحتوى فقط.. بل تعيشه، تقتبسه، تحلله، تتجادل حوله، وتحوله إلى ترندات يومية.
أصبح الضيف الذي يظهر هناك يخرج وكأنه مرّ عبر ماكينة إعادة تقديم للجمهور.
ومن قوة التأثير.. بدأت الأموال تأتي راكضة.
الإعلانات.
الرعايات.
الشراكات.
المشاهدات المليونية.
ثم دخلت الشركات الكبرى بخوذها الاستثمارية وربطات عنقها الثقيلة.
وفجأة.. جلس “المحتوى المملوح” على طاولة البحوث والإستراتيجيات والتقييمات المالية.
يا للمفارقة.
ذلك المحتوى الذي بدأ بسوالف شبابية بسيطة، أصبح أصلًا استثماريًا تلتهمه شركات الإعلام الكبرى كما تلتهم أسماك القرش أي رائحة دم في البحر.
ثم حدث ما يحدث دائمًا حين تدخل “الإدارة” إلى غرفة الإبداع.
بدأت مرحلة “طحن العظام”.
المرحلة التي يتحول فيها المبدع من “بطل القصة” إلى “بند في محضر اجتماع”.
وحين خرج ذلك الشاب من شركته… طرح سؤال على الطاولة.
هل كانت الشركة تنجح بسبب المؤسسة؟
أم بسبب “روح” ذلك الرجل؟
هنا انقسم الناس.
فريق يرى أن المؤسسات أكبر من الأفراد، وأن العجلة ستستمر بالدوران مهما تغير السائق.
وفريق آخر يرى أن “المحتوى المملوح” ليس استراتيجية تشغيلية يمكن وضعها في ملف PDF.. بل روح يصعب استنساخها.
فالخلطة لم تكن في الكاميرات.
ولا في الاستوديو.
ولا حتى في الضيوف.
الخلطة كانت في “الإحساس”.
ذلك الإحساس الذي جعل ملايين الناس يشعرون أن هذا المحتوى يشبههم، ويشبه مجالسهم، ويشبه طريقة حديثهم، وحتى طريقة ضحكهم.
واليوم… تقف الشركة عند مفترق طرق تاريخي.
هل تتحول إلى مؤسسة إعلامية تقليدية فاخرة المظهر، مليئة باللوائح والاجتماعات والعروض التقديمية التي تحتوي على 73 شريحة ولا تقول شيئًا؟
أم تحافظ على روح “المحتوى المملوح” الذي أوصلها للقمة؟
المعركة القادمة ليست معركة شخص وشركة.
إنها معركة مدرستين:
مدرسة تؤمن أن الإعلام يجب أن يبدو رسميًا حتى لو مات الناس من الملل.
ومدرسة تؤمن أن الصدق، والعفوية، والإنسانية.. قادرة على صناعة تأثير يفوق ألف نشرة أخبار.
وفي الأغلب…
سيبقى الناس منحازين لذلك المحتوى الذي يشبههم، لا لذلك المحتوى الذي يتحدث إليهم من برج عاجي مرتديًا بدلة وربطة عنق وخلفه موسيقى نشرة الثامنة.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة صحيفة عاجل ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من صحيفة عاجل ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
