عرب وعالم / السعودية / عكاظ

المستخلِج علي بدر يحاكم المستعرِب علي بدر!

قرأتُ منشورًا للأستاذ القدير علي فايع يتحدث فيه عن مقالٍ لعلي بدر، عنوانه: «المثقفون العرب ودول الخليج: حين انتقل المال ولم ينتقل التاريخ»، فعدتُ إلى المقال وقرأته.

ليست مشكلة مقالة علي بدر في أنها تنتقد الخليج؛ فالنقد حقّ، ومساءلة المؤسسات الثقافية ضرورة، وفحص أثر المال في الثقافة بابٌ مشروع من أبواب التفكير، معضلتها الأعمق أنها لا تنتقد بقدر ما تعيد إنتاج مخيال قديم، أقرب إلى السذاجة منه إلى التحليل، ثم تكسوه هيئة معرفية متماسكة؛ فهي تضع الخليج في قفص اتهامٍ مسبق، وتستدعي لمحاكمته قضاة قضوا نحبهم: المدينة الأيديولوجية، والحزب، والانقلاب، والثورة، والطبقة العاملة الصناعية، والسجال اليساري، والمجلة المركزية، والمثقف الذي لا يطمئن إلى التاريخ إلا إذا سمع وقع الهزيمة في خلفيته.

فمنذ السطر الأول يذهب علي بدر إلى تقرير حاسم: «منذ التسعينيات، تغيّر مركز إدارة الثقافة العربية مع صعود المؤسسات الخليجية وتمدد نفوذها المالي والإعلامي»، ثم يبني على ذلك دعوى أكبر: أن هذا الانتقال كشف فجوة بين «امتلاك المنصات» و«امتلاك الشرعية الرمزية» وهذه العبارة - على إغرائها - تخفي مأزقًا منهجيًا واضحًا: من يملك حق منح الشرعية الرمزية؟ وهل هي وديعة أبدية في يد بغداد وبيروت ودمشق والقاهرة؟ وهل المدن التي صنعت جانبًا مهمًا من المعنى العربي الحديث تملك أن تمنع غيرها من المشاركة في تعريفه؟ هنا يتعامل علي بدر مع الشرعية كما يتعامل الورثة الغاضبون مع ملكية قديمة: ما كان لنا لا يجوز أن يصبح لغيرنا.

ثم يكتب: «دول الخليج لم تنجح رغم قوتها المالية الهائلة وحضورها الإعلامي والمؤسسي في إنتاج تعاطف عربي واسع حتى وهي تتعرض لهجمات مباشرة من قبل إيران»، وهذه جملة تخلط بين الأخلاق والسياسة والثقافة خلطًا خطيرًا؛ فضعف التعاطف - إن ثبت - لا يعني ضعف من وقع عليه الاعتداء، وإنما يعني فساد جهاز التلقي العربي، أو طغيان الاصطفاف الطائفي، أو أثر الدعاية، أو أحقادًا أيديولوجية موروثة، أو بقايا قديمة لخطاب قومي ويساري عاش عقودًا على شيطنة الخليج؛ أن تسقط القذيفة على بيتك ثم يُسأل البيت: لِمَ لم يبكِ عليك الجيران؟ فذلك ليس تحليلًا؛ إنه عبث أخلاقي يبرّئ برودة القلوب، ويحمّل الضحية وزرَ عيونٍ اختارت ألّا ترى.

ويبلغ هذا الخلل مداه حين يستدعي عليّ سنة 1990 قائلًا إن «المثقفين العرب انقسموا حول غزو ، واصطف كثير منهم، بصمت أو بحماسة، إلى جانب ».. أراد من هذه الجملة أن يجعلها دليلًا على أزمة الموقع الخليجي في المخيال العربي، فإذا بها تتحول إلى شهادة إدانة للمثقف العربي القديم نفسه؛ فأي مثقف هذا الذي يحتاج إلى جهد رمزي كي يتعاطف مع دولة غُزيت؟ وأي ضمير ثقافي ذاك الذي يرقص للدبابة ثم يلوم المدينة المدهوسة لأنها لم تكن محبوبة بما يكفي؟ ليست أزمة الكويت سنة 1990 أنها لم تمتلك شرعية رمزية عند بعض المثقفين؛ الأزمة أن بعض المثقفين كانوا قد استبدلوا الضمير بالشعار، والحق بالزعيم الخالد، والعدالة بالهتاف أو «الهوسة».

ثم ماذا؟

ثم ينتقل عليّ إلى القول إن الخليج بعد ذلك «بدأ عملية واسعة لإعادة تنظيم المجال الثقافي العربي عبر الاستثمار في الصحافة، ودور النشر، والجامعات الخاصة، والجوائز الأدبية، والمهرجانات، ومراكز الأبحاث»، ثم يقرر أن الهدف «لم يكن إنتاج مدرسة فكرية جديدة، وإنما إعادة توزيع مواقع الثقافة نفسها». وهنا يلوّح بإدانة كبرى لكنه لا يبرهن عليها؛ بمعنى أن الاستثمار في الصحافة والنشر والترجمة والجامعات والجوائز ليس عيبًا في ذاته، وإلا لوجب أن ندين كل تاريخ الثقافة الحديثة؛ فالصحافة المصرية لم تقم خارج التمويل، والمجلات اللبنانية لم تعش على الهواء، ودور النشر لم تكن أديرة مجانية، والجامعات لا تنشأ من التأمل البوذي، الفرق أن المال حين كان يأتي من العواصم القديمة سُمّي نهضة، وحين يأتي من الخليج يصبح ريعيًا.

ومن أخطر ما في المقال أنه يصك مصطلح «المثقف المستخلِج» ويقول: «ليس المقصود هنا المثقف الخليجي، وإنما المثقف العربي الذي يعمل مع المؤسسات الخليجية، وتحوّل تدريجيًا إلى جزء من جهازها الثقافي». المصطلح ذاته أداة وصم؛ لأنه يلوّث الموقع قبل الكلام؛ فمن عمل في مؤسسة خليجية صار محل شبهة، من شارك في جائزة خليجية صار داخل جهاز، من نشر في صحيفة خليجية صار جزءًا من إعادة ترتيب شروط الخطاب، وبهذا المنطق يمكننا أن نخترع «المثقف المتبعث» لكل من كتب في بغداد زمن الحزب، و«المثقف المتلبنن» لكل من كتب في صحافة بيروت الممولة من الخارج، و«المثقف المتأمرك» لكل من نشر في مجلة مدعومة من مؤسسة غربية، والطريف أن علي بدر هو «مثقف مستخلج» بامتياز؛ فقبل أن يوزع تهمة «الاستخلاج» على المثقفين العرب كان عليه أن يضع سيرته على الطاولة: جائزة إماراتية، وجائزة ابن بطوطة ذات الرعاية الإماراتية، ونشر خليجي، وحضور في الصحافة الخليجية، لا أقول هذا لمصادرة حقه في النقد؛ فذلك حقه كاملًا، ولكن لكشف التناقض الأخلاقي في المقال: أن تصبح المؤسسة الخليجية مانحةً شرعية حين تكرّم الكاتب، ثم تتحول إلى جهاز ريعيّ لإفساد الثقافة حين تكرّم غيره، هنا لا يعود النقد نقدًا للمال، وإنما غضبًا انتقائيًا من المال حين لا يكون في الجهة المناسبة.

ويقول عليّ: «صار نقد الدولة الوطنية في المشرق موضوعًا مركزيًا، بينما خرج نقد الدولة الريعية من المجال التداولي العام»، وهذه جملة تحتاج إلى تفكيك حاد؛ فنقد الدولة الوطنية في المشرق لم يصعد لأن الخليج أراد ذلك، وإنما لأن الدولة الوطنية في كثير من صيغها المشرقية تحولت إلى حزب واحد، وسلطة أمنية، ومعتقلات، وهزائم، وتوريث، وتمزيق اجتماعي، وإفقار، وخطاب تعبوي طويل، أكان على المثقف العربي أن يسكت عن كل ذلك كي لا يبدو قريبًا من الخليج؟ أما الدولة الريعية فقد نوقشت مرارًا في الاقتصاد السياسي والاجتماع الخليجي والفكر العربي، غير أن الكاتب لا يريد نقدًا للدولة الريعية، بل يريد نقدًا بنبرة محددة: نبرة تجعل الخليج في مقام التلميذ المتأخر والمشرق في مقام الأستاذ الجريح.

بعد ذلك تأتي أخطر جملة في المقال كله: «في هذا المخيال، لم يكن الخليج مختلفًا فقط، إنما ناقص الشروط التي تجعله قابلًا لأن يكون موضوعًا للفكر. فهو لم ينتج أحزابًا كبرى، ولا انقلابات، ولا سجالات أيديولوجية، ولا طبقة عاملة صناعية، ولا برجوازية وطنية حديثة».. هنا ينكشف لاوعي المقال كاملًا؛ فالكاتب يجعل الانقلابات والأحزاب الكبرى والسجالات الأيديولوجية والطبقة الصناعية شروطًا للدخول في التاريخ، أي أن المجتمع الذي لم يلد انقلابًا لم يكتمل والذي لم تمزقه الأحزاب لم يبلغ الرشد، والذي لم يعرف صراعًا أيديولوجيًا داميًا لا يستحق أن يكون موضوعًا للفكر، هذه عبادة قديمة لصخب القرن العشرين. ولعل السؤال الذي كان أجدر بعلي بدر أن يطرحه على نفسه، قبل أن ينصب محكمته للخليج: ماذا أنتجت تلك الأحزاب الكبرى والانقلابات والسجالات الأيديولوجية في العالم العربي؟ هل أنتجت مواطنًا حرًا؟ هل بنت جامعة مستقلة؟ هل حفظت كرامة الإنسان؟ هل صنعت دولة قانون؟ هل فتحت المجال للمعرفة؟ أم أنها أنتجت دولة الخوف ومثقف البيانات وشعر الهزيمة وسجون المعارضين وتماثيل الزعيم، ثم انتهت إلى الاستجداء من المؤسسات التي كانت تسخر منها؟

أما حديثه عن أن الخليج لم ينتج ثورة فهو من أضعف حججه؛ فالثورة ليست شهادة ميلاد ثقافية، نعم قد تكون لحظة ضرورة تاريخية، وقد تكون انتحارًا جماعيًا، فليست كل ثورة وعيًا، وليست كل استمرارية ركودًا، وبعض المجتمعات تبني تحولها بالتدرج، والتعليم، والإدارة، والمؤسسة، والتنمية، وتوسيع المجال العام ببطء، وبعضها تدخل الثورة باسم الحرية ثم تخرج منها بجنرال يظن أنه نصف إله أو ميليشيا أو حرب أهلية أو دولة فاشلة، إن جعل الثورة معيارًا للتفوق الثقافي يعني أن الخراب صار عند بعض المثقفين شرطًا للنباهة، وهذا من أغرب ما ورثه العقل العربي الحديث: أنه لا يرى التاريخ إلا حين يشتعل.

ثم ماذا؟

ثم يذهب علي إلى أن الخليج «كان قد استقر داخل المخيال العربي الحديث بوصفه فضاءً يقع خارج التاريخ الاجتماعي الذي صنعت فيه المدن الكبرى معنى الحداثة»، وهذه العبارة تكشف أن المقال وكاتبه لا يميزان بين التاريخ والمخيال؛ فكون الخليج صُوّر في مخيال عربي معين خارج التاريخ لا يعني أنه كان خارج التاريخ فعلًا؛ بمعنى أن المخيال قد يظلم، ويختزل، ويستعلي، ويستبطن صورًا استعمارية، الخليج ليس صحراء صامتة انتظرت النفط كي تتكلم، إنه تاريخ بحر، ولؤلؤ، وموانئ، وتجارة، وقوافل، وحج، وفقه، وشعر، ومجالس، وقرى، وزراعة، ومدن، وصلات مع العالم، ومن لا يرى هذا التاريخ إلا بعد ظهور النفط يكشف فقر عدسته إن وجدت.

ويضيف أن صورة الخليجي في «الرواية والصحافة والنكتة السياسية» لم تكن صورة اجتماعية فحسب، وإنما «حكم تاريخي كامل»، وهذه جملة ينبغي دقُّ عنقها من المِفصل؛ إذ لا تتحول النكتة السياسية إلى وثيقة تاريخية لمجرد شيوعها ولا تصير الرواية حكمًا مبرمًا على مجتمع لأنها أحسنت صناعة الرمز ولا تملك الصحافة - بما فيها من استعجال ومزاج وأيديولوجيا - أن تصدر أحكامًا أبدية على الشعوب، وحين تتحول الصورة النمطية إلى «حكم تاريخي كامل» نكون أمام إعادة إنتاج للعنصرية الثقافية بهيئة نقد خديج. ولو أن صورة العراقي في نكتة خليجية، أو صورة المصري في هابط، أو صورة الشامي في طرفة عامية تحولت إلى حكم تاريخي، لرفض علي بدر ذلك فورًا، فلماذا يقبل هذا المنطق حين يكون موضوعه الخليج؟ أترك الإجابة للقارئ.

ثم يستدعي صراع مجلة «الآداب» ومجلة «شعر» في الستينيات ويقول إن الصراع لم يكن أدبيًا خالصًا، وإنما كان صراعًا على تعريف المجال العربي، ثم يجعل الخليج حاضرًا ضمنيًا باعتباره «الامتداد الاجتماعي الأكثر صفاءً» للنموذج العربي التقليدي الذي ينبغي تجاوزه، وهذا ضرب من الإسقاط؛ فكون مجلة «شعر» اشتبكت مع البلاغة الكلاسيكية واللغة الفقهية والقبيلة والدولة السلطانية لا يعني أن الخليج كان المثال الحي الوحيد أو الأصفى لهذا كله، وهذه قراءة تستدعي الخليج إلى معركة لم يكن طرفها المركزي، ثم تدينه بنتائجها، وهنا يريد علي بدر أن يقول: حتى حين لم تكونوا موضوعًا مباشرًا، كنتم المتهم الضمني.

أما قوله إن «الآداب» دافعت عن العروبة بوصفها مشروعًا تحرريًا حديثًا لكنها أخرجت الخليج من هذا التمثيل. ففيه اعترافٌ خفيٌّ جَهِل علي بدر خطورته: المشكلة إذن ليست في الخليج، وإنما في جهاز تمثيل عربي كان عاجزًا عن رؤية أطرافه إلا من خلال المركز، وهذا ينسف دعواه من الداخل؛ فإذا كانت مجلات الحداثة والعروبة قد استبعدت الخليج، فالسؤال ليس: لِمَ لم يكن الخليج جديرًا بالدخول؟ بل: ما عطب تلك الحداثة التي رفعت شعار التحرر ومارست الإقصاء؟ وما قيمة عروبة لا ترى العربي إلا حين يشبه المدينة التي كتبت البيان؟

ثم ماذا؟

ثم تأتي فقرة «الشيخ النفطي» حيث يقول علي بدر إن الصحافة الغربية عززت صورة «جسد مغمور بالذهب، تحيط به السيارات والنساء، يحمل ثروة لا تُفسّر داخل منطق العمل الصناعي الحديث»، وهنا يقترب من لب المسألة، لكنه لا ينجو من أثرها؛ فهو يعترف أن الصورة غربية واستعمارية، ثم يتابع توظيف نتائجها داخل تحليله، وكان عليه أن يفكك الصورة، لا أن يجعلها سندًا لفكرته، كان عليه أن يسأل: كيف تسربت الكاريكاتيرات الغربية إلى المخيال العربي؟ وكيف قبل المثقف العربي أن يستعمل سخرية استعمارية ضد جزء من مجتمعه العربي؟ غير أنه يكتفي بالقول إن هذه الصورة «ترجمة رمزية لموقع الريع داخل النظام العالمي» وهذا تلطيف أكاديمي لحقيقة أكثر فجاجة: إنها صورة استعلائية أعاد بعض العرب استخدامها لأنهم احتاجوا إلى موضوع يسقطون عليه مرارة هزائمهم.

ويستدعي رواية «بيروت بيروت» لصنع الله إبراهيم و«مدن الملح» لعبد الرحمن منيف ليثبت أن الخليجي ظهر في السرد باعتباره علامة على غياب الوعي السياسي أو بوصف النفط قوة اقتحمت مجتمعًا قبل دخوله التاريخ الاجتماعي الحديث، وهنا مرة أخرى يخلط بين تمثيل أدبي وحكم معرفي وما أكثر خلطه؛ فالرواية قد تكشف زاوية وقد تفضح خللًا وقد تبالغ وقد تصنع رمزًا وقد تظلم، ولكن لا يجوز أن تتحول إلى ختم نهائي على مجتمع كامل، إن تصوير الخليجي كناقص الوعي في نص روائي لا يعني أن الخليجي كذلك، كما أن تصوير المثقف المشرقي كانتهازي في رواية أخرى لا يعني أن المشرق كله انتهاز، وإلا فماذا نصنع بروايات نجيب محفوظ التي قدّمت أحياء وشرائح من المجتمع المصري في صور مخصوصة؟ هل يجوز لغافلٍ أن يأتي إلى تلك النماذج الروائية، فيجعلها حكمًا على الشعب المصري كله؟ وهل يتبعه في ذلك عاقل يعرف الفرق بين التمثيل الفني والحكم التاريخي؟

ثم يقول: «بقي الخليج مركزًا ماليًا من دون أن يتحول إلى مركز اعتراف، وبقي قادرًا على تنظيم الثقافة لكنه لم يصبح قادرًا على تعريفها»، وهذه دعوى ضخمة لا يكفي لتثبيتها تكرار ثنائية المال والمعنى، الخليج ليس ممولًا صامتًا؛ ففيه معارض كتاب كبرى، ومشروعات ترجمة، وجوائز مؤثرة – لا أظنه نسيها – ومجلات، ومراكز ، ومؤسسات نشر، ومتاحف، ومهرجانات، وجامعات، ومنصات إعلامية وثقافية، وحراك أدبي وفني ونقدي آخذ في التوسع، قد يختلف المرء مع بعضها، وينتقدها، وقد يقول إنها لم تبلغ بعد حد المدرسة الفكرية الكبرى، وهذا كله مشروع، أما أن تُختزل كلها في «تنظيم الثقافة» دون «تعريفها» فهذه مغالطة؛ فتعريف الثقافة لا يقع دفعة واحدة، إنه تراكم طويل.

ويكرر عليّ أن انتقال الثقافة العربية إلى الخليج لم يكن انتقالًا لمركزها، وإنما انتقال لإدارتها، ثم يقول: «الفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يملك المنصة ومن يملك التاريخ»، وهذه واحدة من أكثر عبارات المقال شاعرية، وأقلها دقة؛ التاريخ ليس ملكية عقارية لك تستطيع منع غيرك من الدخول إليه، ثم إن المنصة نفسها جزء من التاريخ، المطبعة كانت منصة، والصحيفة والجامعة والمجلة ودار النشر كلها منصات، وكل ما يسميه الكاتب «تاريخًا» بدأ في مرحلة ما كمنصة ممولة ومدارة ومؤسسية، فلماذا تصبح المنصة عارًا حين تكون خليجية، وتصبح نهضة حين تكون في مدينة قديمة؟

ثم يختم عليّ بمشهد 1991 حين يقول إن حرب الخليج لم تكن حدثًا عسكريًا فقط، وإنما لحظة فاصلة في تاريخ الثقافة العربية، إذ بدأت مدن مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق تفقد مواردها وقدرتها على تنظيم المجال الثقافي. وهذا صحيح في بعضه، لكنه يحتاج إلى شجاعة في استكماله؛ فهذه المدن لم تفقد موقعها لأن الخليج سرقه منها، فقدته لأسباب داخلية كبرى: الاستبداد، الحروب، الانهيارات الاقتصادية، فساد المؤسسات، هجرة الكفاءات، تضييق الحريات، تآكل الصحافة، وانطفاء الجامعة في مواضع كثيرة، الخليج لم ينتزع المركز من مدينة معافاة؛ الخليج صعد في لحظة كانت فيها مراكز قديمة تستنزف نفسها بنفسها، والفرق كبير بين من يسرق بيتًا قائمًا ومن يبني بيتًا حين تتهاوى بيوت الآخرين.

إن جوهر المقال - بعد نزع زخرفته - قائم على معادلة واحدة: الخليج مالٌ بلا معنى، والمشرق معنى بلا مال، وهذه معادلة مريحة للمثقف الجريح، لكنها غير صادقة؛ فالمشرق ليس معنى خالصًا، والخليج ليس مالًا محضًا؛ في المشرق معرفة عظيمة وخراب عظيم، وفي الخليج مال ومؤسسات وتحولات اجتماعية وثقافية حقيقية، والمثقف الجاد لا يحاكم المجتمعات بما ينقصها وحده، ولكن بما تتحرك نحوه أيضًا، أما أن نحمّل الخليج سبب فقر غيره، وتخلف غيره، ونكسة غيره الثقافية، وجهله وأميته، ثم نطالبه بأن يعتذر لأنه لم ينتج نسخة من حداثة لم يفهم كثير من مستورديها سياقاتها الأصلية أصلًا، فهذا في لبّه تهرب من الحساب.

لقد استورد بعض مثقفي القرن العشرين العربي الحداثة كما تُستورد الشعارات: أخذوا النتيجة وتركوا شروطها؛ أخذوا التمرد وتركوا المنهج؛ أخذوا كراهية التقليد وتركوا بناء المؤسسة؛ أخذوا صورة المثقف الثائر وتركوا أخلاق المعرفة، ثم حين لم تُنتج تلك الحداثة وعودها وعندما انتهت أحلامها إلى هزائم وانقلابات وسجون وأطلال وجدوا في الخليج خصمًا مناسبًا: غنيًّا بما يكفي ليُحسد، ومحافظًا بما يكفي ليُدان، وصاعدًا بما يكفي ليُخاف منه.

ثم ماذا؟

ثم ليست المسألة أن الخليج فوق النقد؛ فمن يقول ذلك يسيء إلى الخليج قبل خصومه؛ فالخليج ليس فردوسًا ثقافيًا، ولا مؤسساته بريئة من أسئلة السوق والسلطة والاحتفاء، لكنه ليس فراغًا تاريخيًا ولا مالًا بلا معنى، والفرق كبير بين نقد التجربة لتتقدم ونفي التجربة كي تبقى تابعة لاعتراف غيرها.

النقد يطلب الإصلاح، أما الاستعلاء فيطلب إعادة ترتيب الطاعة الرمزية: أن يبقى الخليج ممولًا، وأن يظل الاعتراف في يد غيره. المقال في حقيقته لا يقول للخليج: أنت لم تنتج معنى، الحق أنه يقول: المعنى لا يحق لك أن تنتجه إلا حين تمر من الطريق الذي مررنا به؛ هو يريد له ثوراتهم، وانقلاباتهم، وأحزابهم، وندوبهم، وخرابهم ثم بعد ذلك قد ينظرون في أمره، وهذه وصاية مضحكة متأخرة لا يليق أن تصدر ممن يتحدث باسم الحداثة. الحداثة - في أصلها العميق - ليست استنساخ تاريخ مدينة بعينها، وإنما قدرة المجتمع على إنتاج شروطه الخاصة في المعرفة والتنظيم والحرية والمؤسسة والخيال، والخليج - بما له وما عليه - بدأ يكتب شروطه الخاصة، هذا ما يزعج المقال حقًا.

لذلك فالمشكلة ليست أن الخليج لم يتحول إلى مركز رمزي، المعضلة أن بعض المثقفين العرب لا يريدون الاعتراف بأن المركز لم يعد واحدًا، وأن الثقافة لم تعد تصدر من مدينة واحدة، وأن الشرعية لم تعد ميراثًا محفوظًا للمقهى القديم والمجلة القديمة والحزب القديم، لقد تغيرت الخريطة، ومن لم يستطع قراءة التغير اتهم الخريطة لا عينيه.

إن دول الخليج لم تنتج «ثورة» على الطريقة التي يفتقدها علي بدر لكنها أنتجت سؤالًا أهم: أيمكن بناء مسار عربي حديث لا يبدأ من الانقلاب ولا ينتهي إلى المنفى؟ أيمكن للثقافة أن تقوم على المؤسسة دون أن تفقد روحها؟ أيمكن للمال أن يتحول إلى بنية معرفة لا إلى زينة احتفالية؟ وهل يملك المثقف العربي القديم شجاعة الانتقال من رثاء مركزه المفقود إلى المشاركة في بناء مركز متعدد؟

هذا هو السؤال الذي يهرب منه علي بدر، أما حديث «المال بلا تاريخ» فليس إلا آخر دفاعات شخص يرى المنصة تنتقل من تحته، فيسمي انتقالها سقوطًا في المعنى، والحقيقة أن المعنى لم يسقط؛ الذي سقط هو احتكار الكلام باسمه.

* كاتب وباحث في الأدب والفكر

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

قد تقرأ أيضا