في أروقة المحاكم، حيث تزن الكلمات بميزان الذهب وتُبنى المصائر على نصوص القانون، اعتاد المحامون أن يدخلوا حاملين ملفات موكليهم، باحثين عن ثغرة هنا أو دليل هناك. لكن في مدينة الناصرية، قلب محافظة ذي قار النابض، قرر أحد المحامين أن يختصر طريق العدالة الطويل، لا بالبحث في كتب القانون، بل بارتداء عباءة نفوذ وهمية، نسج خيوطها من أعلى هرم في السلطة القضائية العراقية.
لم يكن يعلم هذا المحامي أن المنصب الذي استعاره في غفلة من الزمن، سيكون القيد الذي يطوق معصميه، ويحوله من موقع «المدافع» في منصات القضاء، إلى «متهم» يقبع خلف قضبان الزنزانة.
صناعة الوهم.. كيف يشتري المرء هيبة مستشار؟
في مجتمع تحكمه العلاقات ويبحث فيه الجميع عن «مفتاح» لتسهيل المعاملات المعقدة، أدرك المتهم أن صفة «محامٍ» قد لا تكون كافية أحياناً لفتح الأبواب المغلقة بسرعة. من هنا، خطرت له الفكرة الأخطر: انتحال صفة مستشار رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي القاضي فائق زيدان.
بهذه الصفة الفخمة، تحول المحامي في أعين الكثيرين من مجرد رجل قانون عادي، إلى صاحب نفوذ يملك في جيبه مفاتيح القرار القضائي:
- سحر الاسم: مجرد النطق بمنصبه الوهمي (مستشار رئيس مجلس القضاء الأعلى)، في الأوساط الرسمية كفيل بإحداث حالة من الاستنفار وتسهيل الإجراءات.
- النفوذ غير المشروع: تشير التحقيقات الأولية إلى أن الهدف من هذه اللعبة الخطرة كان فرض سطوة وهمية، تمنحه مكاسب وامتيازات وتأثيراً لا يستحقه بقوة القانون.
كمين الناصرية.. عندما تسقط الأقنعة
لكن كذبة النفوذ، مهما طالت، تصطدم دائماً بيقظة الأجهزة الأمنية. في الناصرية، بدأت خيوط اللعبة تتكشف عندما تحرك «المستشار المزيف» بثقة مفرطة أثارت ريبة بعض المسؤولين والجهات الأمنية. عباراته المنمقة، وطلباته التي تتجاوز الأطر المعتادة، دفعت رجال الأمن إلى فتح «الملف الصامت».
أجريت اتصالات سريعة مع العاصمة بغداد، ليدوي الرد الصاعق: «لا يوجد مستشار بهذا الاسم».
وفي تلك اللحظة، صدرت الأوامر فوراً. فتحركت قوة أمنية خاصة في ذي قار، وطوقت مكان تواجد المحامي. وفي دقائق معدودة، تبددت هيبة «المستشار» الزائفة أمام حقيقة «الكلبشات» الحديدية التي لفت يديه، ليتم اقتياده إلى مركز احتجاز خاص وسط ذهول زملائه في المهنة.
تركت الحادثة صدمة عنيفة داخل الأوساط القانونية في العراق، فالمتهم ليس جاهلاً بالقانون، بل هو رجل يعرف تماماً عقوبة «انتحال الصفة» والتلاعب بالهويات السيادية للدولة، وهي الجرائم التي يتعامل معها القضاء العراقي بصرامة مطلقة لمنع تضليل العدالة أو الإساءة للمؤسسات الدستورية.
ويقبع المحامي الآن في زنزانته بانتظار استكمال التحقيقات الأصولية وإحالته إلى القضاء «القضاء ذاته الذي حاول استغلال اسمه». وبينما تبحث السلطات في «الصندوق الأسود» لتحركاته لمعرفة حجم المكاسب التي جناها أو الضحايا الذين سقطوا في فخه، تبقى هذه الواقعة درساً بليغاً في الشارع العراقي مفاده أن النفوذ المزيف قد يرفع صاحبه إلى السماء مؤقتاً، لكن سقطته تكون مدوية وتلقي به في قاع السجون.
ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة عكاظ ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من عكاظ ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.
